لم تكن جولة الترويج لفيلم «الأوديسة» بالنسبة للمخرج البريطاني كريستوفر نولان مجرد لقاءات صحفية تقليدية، إذ تحولت مقابلة أجراها مع مقدم بودكاست صيني إلى واحدة من أكثر المقابلات تداولاً عالمياً ، بعدما تجاوزت مشاهداتها 20 مليون مشاهدة خلال أيام، وسط إشادة واسعة بطبيعة الحوار الذي ابتعد عن الأسئلة المعتادة وركز على الفلسفة والسينما والحضارة.
وجاءت المقابلة عقب العرض الأول للفيلم في العاصمة الصينية بكين، حيث استضاف الباحث في الفلسفة السياسية ومقدم البودكاست المعروف باسم “تشونغشو” نولان في حوار امتد نحو 17 دقيقة، ناقشا خلاله الخلفيات الفكرية لفيلم «الأوديسة» المستوحى من ملحمة هوميروس، إلى جانب رؤيته لمعاني البطولة، والانهيار الحضاري، وكيفية توظيف الأساطير القديمة في السينما الحديثة.
وأوضح نولان أن اهتمامه بتاريخ انهيار الحضارات، والذي سبق أن تناوله بصورة مختلفة في فيلم «أوبنهايمر»، استمر في مشروعه الجديد، معتبراً أن ملحمة هوميروس لا تروي رحلة بطل فحسب، بل تقدم تأملاً في مصير المجتمعات وكيف يمكن أن تنهض أو تنهار بفعل اختيارات البشر.
كما تناول الحوار مفهوم "زينيا"وهو تقليد الضيافة في الحضارة اليونانية القديمة، إذ رأى نولان أن احترام الغريب والثقة المتبادلة يمثلان أحد أسس قيام الحضارة، بينما يجسد حصان طروادة لحظة انهيار هذه الثقة وتحولها إلى أداة للخداع، في إسقاط اعتبره كثيرون ذا دلالات معاصرة.
وفي جانب آخر من الحوار تحدث المخرج الحائز على جائزة الأوسكار عن العلاقة بين صناع الأفلام والجمهور، مؤكداً أن الأعمال السينمائية تستند إلى تقاليد سردية راسخة، لكن تفسيرها يظل مفتوحاً أمام المشاهدين والنقاد، وهو ما يمنحها قدرة على البقاء وإثارة النقاش عبر الزمن.
وأثارت المقابلة اهتماماً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها كثيرون نموذجاً للحوارات الثقافية العميقة التي تناقش الأفكار بدلاً من الاكتفاء بالترويج للأعمال الفنية أو التركيز على حياة النجوم الشخصية، فيما أشاد متابعون بطريقة إدارة الحوار والأسئلة التي تناولت أبعاداً فلسفية وتاريخية غير معتادة.
من جانبها علقت مقدمة البودكاست على النجاح الكبير للمقابلة، مؤكدة أن الهدف كان تقديم نقاش جاد حول السينما والإبداع بعيداً عن المجاملات أو الأسئلة التقليدية، معتبرة أن الجمهور لا يزال يبحث عن المحتوى الفكري عندما يُقدَّم بصورة جذابة وعميقة.