تحل اليوم 8 أغسطس ذكرى ميلاد الفنان الراحل أبو بكر عزت أحد أبرز نجوم التمثيل الذين تركوا بصمة خاصة في المسرح والسينما والتليفزيون، وامتدت مسيرته الفنية لعقود قدم خلالها شخصيات متنوعة جمعت بين الكوميديا والدراما والعمق الإنساني.
وفي حوار تلفزيوني نادر في برنامج مشوار مع فنان مع الإعلامي أحمد زين العابدين ، تحدث أبو بكر عزت عن بداياته الفنية، وكشف أن دخوله عالم التمثيل لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء نتيجة تعلق مبكر بالفن، قائلًا: "هو مع سبق الترصد والإصرار، يعني التهمة ثابتة والحكم عادل".
البداية من مولد "السيدة زينب"
وروى"عزت" أن نشأته في حي السيدة زينب كان لها تأثير كبير على تكوينه الفني، موضحاً أن مظاهر الاحتفال بمولد السيدة زينب كانت تمثل بالنسبة له عالماً مليئاً بالفنون الشعبية والفلكلور.
وقال: "أنا نشأت في القاهرة في حي السيدة زينب،حي شعبي شوية، فدايماً بيبقى فيه مناسبة المولد.. المولد ده بيبقى فيه مظاهر فنية تلقائية، الفن التلقائي، الفلكلور".
وأضاف أن أجواء المولد كانت تضم الغناء والمديح والعروض المختلفة، وهو ما أثار فضوله منذ طفولته، موضحاً: "الحاجات دي كلها بهرتني وأنا صغير، عالم لسه بتلمسه".
ومع مرور الوقت، لم يعد أبو بكر عزت مجرد مشاهد لتلك العروض، بل بدأ في تقليدها وممارسة التمثيل مع أصدقائه، حتى أصبحت الهواية جزءاً أساسياً من حياته.
المدرسة الخديوية بداية الانطلاق
انتقلت موهبة أبو بكر عزت إلى مرحلة أكثر تنظيماً عندما التحق بمدرسة الخديوية الثانوية، حيث شارك في فريق التمثيل، لتبدأ موهبته في التحول إلى مشروع فني حقيقي.
وتحدث عن اللحظة التي شعر فيها بأن التمثيل أصبح طريقه، قائلًا: "أخدت الأدوار الرئيسية، طلعت على مسرح الأزبكية، كان حلم بالنسبة لي كبير جداً جداً".
وقدم خلال تلك الفترة مسرحية "مدرسة الفضائح"، إلى جانب مسرحية "دنيا المال" للكاتب توفيق الحكيم، وكانت لحظة تصفيق الجمهور له بمثابة نقطة تحول في حياته.
ووصف إحساسه آنذاك قائلاً: "أول مرة يتسقف لي.. ما أعرفش أوصف لك الإحساس ده، حقيقي زي ما يكون حصل لي عملية تغيير دم كامل، حصل لي حاجة كل خلايايا اتغيرت".
وأضاف: "انبهرت جداً إن أنا قاعد وبكلم الناس والدنيا ضلمة وبأثر على الناس دول، بقنعهم وبيسقفوا لي، المسألة دي خلاص بقت ثابتة".
نصيحة كمال ياسين.. والتمثيل إلى جانب الدراسة
وبعد نجاحه في فريق التمثيل، قرر أبو بكر عزت الالتحاق بمعهد التمثيل، لكنه تلقى نصيحة من الفنان والمخرج كمال ياسين بأن يدرس مجالاً آخر إلى جانب الفن،خاصة أن مستقبل العمل الفني لم يكن مضموناً في ذلك الوقت.
وقال أبو بكر عزت: "قال لي لا، بس أنصحك كمان إنك تعمل حاجة جنبه بجانب المعهد، لأن أنت عارف مسألة الفن ما كانتش مضمونة قوي".
وبالفعل، جمع بين الدراسة والعمل؛ فالتحق بكلية الآداب قسم الاجتماع، كما درس في معهد المعلمين بالزيتون، وعمل مدرساً بينما كان يدرس التمثيل في الوقت نفسه.
ووصف تلك المرحلة قائلًا: "بقيت مدرس الصبح، وبعد الظهر طالب في كلية الآداب، وبالليل طالب مع التمثيل".
"قصر الشوق".. بداية الاحتراف
بعد تخرجه، التحق أبو بكر عزت بفرقة المسرح الحر، وهناك بدأت خطواته الأولى نحو الاحتراف الحقيقي، حيث شارك في أول بطولة جماهيرية له من خلال مسرحية "قصر الشوق"المأخوذة عن رواية الأديب نجيب محفوظ، ومن إخراج كمال ياسين.
وقال عن تلك المرحلة: "التحقت بالمسرح الحر، وعملت فيه أول بطولة ليا، كانت رواية اسمها قصر الشوق للأستاذ الكبير نجيب محفوظ، وإخراج كمال ياسين اللي هو كان بيدرس لي".
ومن هنا انطلق أبو بكر عزت في رحلة فنية طويلة، تنقل خلالها بين المسرح والسينما والتليفزيون، وقدم عشرات الشخصيات التي رسخت اسمه كواحد من أبرز الفنانين في جيله.
أبو بكر عزت: «المسرح محك حقيقي»
وكان للمسرح مكانة خاصة في وجدان أبو بكر عزت، الذي رأى أن مواجهة الجمهور مباشرة تمنح الفنان اختباراً حقيقياً لموهبته، على عكس السينما والتليفزيون اللذين يتيحان إعادة المشهد أكثر من مرة.
وأوضح: "أول عمل على مستوى الجماهير، يعني التحم الجمهور، وده المحك الحقيقي".
وعن طبيعة المسرح، قال: "المسرح لأن في السينما ستوب يا جماعة ونعيد من الأول، والتليفزيون كذلك، إنما ده نتيجة مباشرة،قاعد قصادك،يا هيقول لك حلو يا يقول لك وحش".
وبهذه الرؤية،ظل أبو بكر عزت مرتبطاً بالمسرح باعتباره المدرسة الأهم التي صقلت موهبته، قبل أن يصبح واحداً من الوجوه البارزة في مختلف مجالات الفن.
مسيرة حافلة تركت أثراً في ذاكرة الجمهور
لم يكن أبو بكر عزت مجرد فنان يجيد أداء الأدوار الكوميدية، بل امتلك قدرة خاصة على تقديم الشخصيات الإنسانية بمختلف تفاصيلها،و أبرز أعماله في السينما "أفواه وأرانب"، و"30 يوم في السجن"، ومسلسلات أيقونية مثل "زيزينيا" و"أرابيسك"،كما برع في عدد من المسرحيات منها "الدبور"، و"البيجامة الحمراء"، و"الدخول بالملابس الرسمية".
وفي ختام الحوار، اختصر الفنان الراحل فلسفته في العمل والحياة، قائلًا: "الواحد بيعمل اللي عليه ولا على الله.. إحنا بنحاول نجود في عملنا، في كل شيء، الواحد بيحاول يكون إلى أفضل".
رحل أبو بكر عزت في 27 فبراير 2006 لكن أعماله ظلت حاضرة لدى الجمهورلتبقى رحلته نموذجاً لفنان بدأ من أجواء حي السيدة زينب،ومر بمدرسة المسرح، حتى أصبح واحداً من الأسماء البارزة في تاريخ الفن المصري.