بعد سنوات من تراجع الاهتمام بمحصول الكتان مقارنة بمحاصيل أخرى، تعيد الحكومة فتح هذا الملف برؤية تستهدف تحويله من محصول زراعي محدود إلى صناعة متكاملة قادرة على جذب الاستثمارات، وزيادة الصادرات، وخلق فرص عمل جديدة، مستفيدة من المقومات التي تمتلكها مصر في هذا القطاع.
وخلال اجتماع برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، استعرضت الحكومة رؤية متكاملة لتطوير زراعة وصناعة الكتان، تقوم على التوسع في الرقعة الزراعية، وتحديث المصانع، وتحفيز القطاع الخاص، وتعزيز التواجد المصري في الأسواق العالمية، في إطار خطة تستهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة الكتان بحلول عام 2030.
لماذا الكتان؟
لا تقتصر أهمية الكتان على كونه محصولًا زراعيًا، بل يمثل مادة خام تدخل في صناعات متعددة تشمل الغزل والنسيج، والأقمشة الفاخرة، والزيوت، والأخشاب الصناعية، إلى جانب استخداماته المتزايدة في الصناعات الصديقة للبيئة، ما يجعله من المحاصيل ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة.
وتشهد الأسواق العالمية توجهًا متزايدًا نحو الألياف الطبيعية والمنتجات المستدامة، وهو ما يفتح أمام مصر فرصة لتعزيز مكانتها في سلاسل القيمة العالمية إذا نجحت في تطوير الصناعة محليًا، بدلاً من تصدير المواد الخام فقط.
من زيادة الإنتاج إلى تعظيم القيمة المضافة
تعتمد الرؤية الحكومية على رفع المساحات المزروعة بالكتان تدريجيًا لتصل إلى 100 ألف فدان بحلول عام 2030، مع التوسع في استخدام التقاوي المحسنة، وتطبيق نظم الزراعة التعاقدية، والاعتماد على الري الحديث والميكنة الزراعية.
لكن الرهان الحقيقي لا يتمثل في زيادة الإنتاج وحدها، بل في تعظيم القيمة المضافة من خلال التصنيع المحلي، إذ تستهدف الخطة تحديث المصانع القائمة، وتوطين التكنولوجيا، وإدخال مصادر طاقة أكثر كفاءة، بما يسمح بإنتاج منتجات نهائية ذات قيمة أعلى وقدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الخارجية.
الاستثمار.. الحلقة الأهم في نجاح الخطة
تعول الحكومة على القطاع الخاص لجذب استثمارات جديدة في صناعة الكتان، سواء في إنشاء مصانع متخصصة أو تطوير المصانع القائمة، مع العمل على إصدار حوافز وتشريعات تشجع الاستثمار المحلي والأجنبي.
كما تتضمن الرؤية إطلاق علامة تجارية وطنية لمنتجات الكتان المصري، وفتح أسواق تصديرية جديدة، والمشاركة في المعارض الدولية، بما يعزز القدرة التنافسية للمنتج المصري.
شركة طنطا للكتان.. نقطة انطلاق أم تحتاج إلى إعادة هيكلة؟
أعادت الحكومة تسليط الضوء على شركة طنطا للكتان والزيوت باعتبارها إحدى الركائز الصناعية الرئيسية في هذا القطاع، لما تمتلكه من مجمع صناعي وإمكانات إنتاجية يمكن البناء عليها.
ويرى متابعون أن تطوير الشركة قد يمثل نقطة انطلاق لإحياء الصناعة، لكنه يتطلب تحديث خطوط الإنتاج، ورفع كفاءة التشغيل، وتعزيز التكامل مع القطاع الخاص لضمان تحقيق عائد اقتصادي مستدام.
ورغم الطموحات الكبيرة، تواجه صناعة الكتان عددًا من التحديات، أبرزها محدودية المساحات المزروعة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والحاجة إلى تحديث التكنولوجيا، إضافة إلى المنافسة العالمية من دول تمتلك خبرات طويلة في هذا المجال.
كما أن نجاح الخطة يتطلب توفير منظومة متكاملة تبدأ من المزارع ولا تنتهي عند المصنع، مرورًا بالبحث العلمي، والتدريب، والتسويق، والتصدير.
هل تنجح مصر في استعادة مكانتها؟
يمثل الكتان أحد القطاعات التي تمتلك فيها مصر مقومات تاريخية وصناعية، إلا أن تحويل هذه المقومات إلى ميزة تنافسية يتطلب تنفيذًا سريعًا للرؤية الحكومية، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، مع التركيز على التصنيع والتصدير بدلاً من الاكتفاء بإنتاج المادة الخام.
وفي حال نجحت الخطة في تحقيق مستهدفاتها، فقد يصبح الكتان نموذجًا جديدًا لاستثمار المحاصيل ذات القيمة المضافة، وداعمًا لزيادة الصادرات الصناعية، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي لصناعة الألياف الطبيعية خلال السنوات المقبلة.