أزمة تُدار بعقلية خاطئة بدل الدفاع عن حق أصيل للمهنة
مقدمة
تجدد الجدل مؤخرًا حول سنة الامتياز في الطب البيطري، بين من يراها مرحلة أساسية لا غنى عنها في إعداد الطبيب وتأهيله لسوق العمل، ومن يطرح فكرة إلغائها في حال عدم توافر مقابل مادي لها، وهو ما فتح بابًا واسعًا للنقاش حول جوهر هذه المرحلة ودورها في بناء الكفاءة المهنية.
وفي هذا السياق، حذّر الدكتور خالد العامري، نقيب الأطباء البيطريين الأسبق، من خطورة هذا الطرح، مؤكدًا أن التعامل مع الامتياز بمنطق الإلغاء بدلاً من التطوير والتمويل يمثل تهديدًا مباشرًا للمهنة ومستقبل أجيالها القادمة، ويعكس خلطًا بين أزمة التمويل وقيمة التدريب العلمي والعملي الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
أكد الدكتور خالد العامري، نقيب الأطباء البيطريين الأسبق، أن النقاش الدائر حول سنة الامتياز في الطب البيطري، وخاصة ما يُطرح بشأن إمكانية إلغائها في حال عدم توفير مقابل مادي لها، يمثل انحرافًا خطيرًا في طريقة التعامل مع واحدة من أهم مراحل إعداد الطبيب البيطري.
وأوضح أن أخطر ما يواجه المهن الكبرى ليس الأزمات في حد ذاتها، بل طريقة إدارتها بعقلية تميل إلى التخلص من الحق بدل الدفاع عنه، وهو ما وصفه بأنه مدخل غير صحيح على الإطلاق.
وأشار العامري إلى أن اختزال الأزمة في البعد المالي، ثم الانتقال مباشرة إلى فكرة الإلغاء، يعكس خلطًا واضحًا بين غياب الموارد المالية وبين التشكيك في قيمة الامتياز نفسه، رغم أن الفارق بين الأمرين جوهري ومصيري، فالمشكلة الحقيقية، بحسب تعبيره، ليست في الامتياز، وإنما في غياب الإرادة القادرة على تمويله وتنظيمه وحمايته باعتباره جزءًا أصيلًا من المنظومة التعليمية والمهنية.
سنة الامتياز ليست ترفًا إداريًا بل ركيزة أساسية في التأهيل المهني
وشدد نقيب الأطباء البيطريين الأسبق على أن سنة الامتياز ليست إجراءً شكليًا أو مرحلة يمكن الاستغناء عنها، وإنما هي ركيزة أساسية في بناء الطبيب البيطري مهنيًا، والجسر الذي ينتقل به الخريج من الدراسة النظرية داخل الكليات إلى الممارسة الواقعية داخل الحقل وبيئة العمل.
وأضاف أن الامتياز هو النقطة الفاصلة بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي، وبين الحفظ النظري وتحمل المسؤولية المهنية الفعلية، مؤكدًا أن أي مساس بهذه المرحلة ينعكس بشكل مباشر على كفاءة الطبيب البيطري وقدرته على التعامل مع الواقع العملي، وليس مع الكتب والمناهج فقط.
رفض منطق الإلغاء باعتباره هروبًا من الحلول الحقيقية
وأوضح العامري أن الدعوة إلى إلغاء سنة الامتياز بدعوى عدم وجود مقابل مادي لها لا يمكن وصفها إلا بأنها هروب من الحلول الحقيقية، وتبرير للعجز، وتفريط في حق المهنة والأجيال القادمة، قائلا إن هذا الطرح لا يعالج المشكلة، بل ينقلها من كونها أزمة تمويل يمكن العمل على حلها إلى أزمة وجود تمس جوهر التأهيل المهني نفسه.
وأكد أن من الخطأ الجسيم أن يُحمَّل الامتياز تبعات التقصير المالي أو الإداري، أو أن يُقدَّم للرأي العام باعتباره عبئًا يمكن الاستغناء عنه، في حين أنه يمثل عنصرًا أساسيًا في تطوير الممارسة البيطرية ورفع كفاءة الخريجين.
تجربة عملية ومشروع نقابي لتدريب الامتياز
واستعاد العامري تجربته الشخصية خلال فترة توليه العمل النقابي، مؤكدًا أنه كان من أشد الداعمين لتفعيل سنة الامتياز، ولم يكن الأمر مجرد طرح نظري، بل مشروعًا عمليًا متكاملًا جرى العمل عليه بجدية وتنسيق موسع مع الجهات المعنية.
وأوضح أنه تم بالفعل إعداد تصور لتدريب أطباء الامتياز لمدة عام كامل داخل 255 وحدة بيطرية مميزة، حيث جرى تجهيز بيان بهذه الوحدات وتسليمه إلى الأستاذ الدكتور الراحل فتحي فاروق، رئيس لجنة التعليم البيطري بالمجلس الأعلى للجامعات آنذاك، وذلك بالتنسيق مع الأستاذ الدكتور الراحل عبد الحكم رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية في ذلك الوقت، بما يعكس أن المشروع كان قائمًا على رؤية واضحة وشراكات مؤسسية حقيقية وليس مجرد أفكار نظرية.
وأكد أن هذا الجهد يعكس أن الامتياز لم يكن يومًا فكرة عابرة، بل مشروعًا متكاملًا له أدواته وأطرافه ومساره التنفيذي، وأن التفريط فيه اليوم يُعد تجاهلًا لتاريخ طويل من العمل المهني والنقابي.
من واقع التجربة: الامتياز الذي أُلغي رغم أهميته
وأشار العامري إلى أنه يتحدث من واقع التجربة الشخصية، باعتباره من أوائل خريجي طب بيطري القاهرة، حيث حصل رسميًا على ستة أشهر من التدريب خلال فترة الامتياز، مؤكدًا أنه اكتسب خلالها خبرات ميدانية لا يمكن مقارنتها بما يتم تعلمه داخل القاعات الدراسية.
وأضاف أن الدفعات التي سبقته والتي تلتها استفادت من هذه التجربة أيضًا، إلا أنه تم لاحقًا إلغاء نظام الامتياز ليس لأنه بلا جدوى أو غير مفيد، وإنما فقط بسبب غياب الموارد المالية اللازمة لاستمراره، وهو ما يثبت أن الإلغاء لم يكن قرارًا مبنيًا على تقييم علمي أو مهني، بل نتيجة ظروف تمويلية بحتة.
الفرق بين الإلغاء بسبب الفشل والتعطيل بسبب التمويل
وأكد أن هناك فرقًا جوهريًا بين إلغاء أي نظام لأنه غير مجدٍ أو فاشل، وبين تعطيله بسبب نقص التمويل، محذرًا من خطورة الخلط بين الحالتين، فالأولى تعني انتهاء الحاجة إليه، بينما الثانية تعني وجود حاجة حقيقية لم تُدعَم بالموارد اللازمة.
وشدد على أن إعادة تقديم الامتياز وكأنه مرحلة غير ضرورية أو يمكن الاستغناء عنها تمثل إعادة صياغة غير دقيقة للواقع، وتجاهلًا لقيمة التدريب العملي في تكوين الطبيب البيطري.
أثر غياب الامتياز على المهنة والمجتمع ولفت العامري إلى أن غياب سنة امتياز حقيقية وممولة ينعكس سلبًا على مستوى الطبيب البيطري الجديد، حيث يفقد جزءًا مهمًا من نضجه المهني، كما تخسر المهنة خبرات كان من الممكن بناؤها مبكرًا، ويخسر المجتمع طبيبًا أكثر تأهيلًا وقدرة على التعامل مع الواقع العملي.
وأوضح أن الاستثمار في الامتياز ليس عبئًا على الدولة كما قد يُتصور، بل هو استثمار مباشر في كفاءة الطبيب البيطري، وسلامة الممارسة المهنية، وجودة الخدمة، بما ينعكس في النهاية على الثروة الحيوانية والصحة العامة.
دعوة صريحة لحماية الامتياز لا إلغائه
واختتم نقيب الأطباء البيطريين الأسبق تصريحه بالتأكيد على أن المطلوب اليوم ليس البحث عن مبررات لإلغاء سنة الامتياز، وإنما السعي الجاد لتوفير اعتماداتها المالية وضمان استمرارها وتطويرها، باعتبارها حقًا مهنيًا وعلميًا لا يجوز التفريط فيه.
وقال إن النقابات لا تُقاس قيمتها بقدرتها على تبرير العجز، وإنما بقدرتها على انتزاع الحقوق والدفاع عنها، مؤكدًا أن ما يجب مقاومته ليس سنة الامتياز، بل عقلية الاستسهال والتراجع، وأن التاريخ لا يرحم التفريط في ما تم بناؤه عبر سنوات طويلة من العمل المهني والنقابي.