تحل اليوم الثلاثاء ذكرى رحيل الفنانة القديرة مريم فخر الدين، التي غادرت عالمنا عن عمر ناهز 81 عامًا، بعد رحلة فنية حافلة امتدت لأكثر من نصف قرن، قدمت خلالها عشرات الأعمال السينمائية والتلفزيونية، لتصبح واحدة من أبرز نجمات الزمن الجميل، وتترك إرثًا فنيًا مميزًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة الجمهور.
واستطاعت مريم فخر الدين أن تحجز لنفسها مكانة خاصة في قلوب المشاهدين، بفضل موهبتها الفنية وملامحها الرقيقة التي منحتها لقب «حسناء الشاشة»، حيث ارتبط اسمها بصورة الفتاة الجميلة ذات الوجه الملائكي والحضور الهادئ، لتصبح واحدة من أبرز الوجوه النسائية التي صنعت ملامح السينما المصرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

نشأة مريم فخر الدين وبداية دخولها عالم الفن
ولدت مريم فخر الدين في 8 سبتمبر عام 1933 بمدينة الفيوم، لأب مصري مسلم وأم مجرية، وهي الشقيقة الكبرى للفنان الراحل يوسف فخر الدين، وتلقت تعليمها في المدرسة الألمانية، وحصلت على شهادة البكالوريا، ولم تكن تتوقع أن تتحول حياتها من فتاة تهتم بدراستها إلى واحدة من أشهر نجمات السينما المصرية.
وجاءت بداية شهرتها بمحض الصدفة، عندما قررت والدتها مكافأتها بعد نجاحها الدراسي، فاصطحبتها إلى أحد المصورين بشارع عماد الدين لالتقاط صورة فوتوغرافية كبيرة، دون أن تدرك أن تلك الصورة ستكون بوابتها إلى عالم الشهرة والنجومية.
ونُشرت الصورة لاحقًا ضمن مسابقة ملكة جمال الغلاف التي نظمتها مجلة «إيماج» الفرنسية، لتفوز مريم بالمسابقة وتحصل على اللقب، إلى جانب جائزة مالية بلغت 250 جنيهًا، لتتوالى بعدها ظهور صورها على أغلفة المجلات، وتلفت أنظار العاملين في الوسط السينمائي.
ولم يمر وقت طويل حتى دخلت عالم التمثيل، بعدما رشحها المخرج أحمد بدرخان والمصور عبده نصر للمشاركة في فيلم «ليلة غرام»، الذي مثل انطلاقتها السينمائية الأولى، وفتح أمامها الطريق لتقديم العديد من الأدوار التي رسخت مكانتها الفنية.
مريم فخر الدين وأبرز أعمالها السينمائية
خلال مشوارها الفني، قدمت مريم فخر الدين أكثر من 240 فيلمًا، ونجحت في تقديم مجموعة متنوعة من الشخصيات التي تراوحت بين الفتاة الرومانسية والمرأة القوية والشخصيات الاجتماعية المركبة، كما خاضت تجربة الإنتاج السينمائي، لتثبت حضورها في أكثر من مجال داخل الصناعة.
وارتبطت صورتها لدى الجمهور خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بأدوار الفتاة الرقيقة والرومانسية، التي تجمع بين الجمال والبراءة، وغالبًا ما كانت تجسد شخصية الفتاة التي تواجه الظروف الصعبة أو تقع ضحية للصراعات العاطفية والاجتماعية، وهي الأدوار التي برعت في تقديمها.
ومن أبرز الأفلام التي شاركت فيها خلال تلك المرحلة «رد قلبي»، و«الأيدي الناعمة»، و«حكاية حب»، و«ملاك وشيطان»، و«الأرض الطيبة»، و«البنات والصيف»، و«القصر الملعون»، وهي أعمال ساهمت في ترسيخ مكانتها بين نجمات جيلها.
ومع تطور مسيرتها الفنية، بدأت أدوارها تشهد تنوعًا ملحوظًا، خاصة مع تقدمها في العمر، حيث ابتعدت تدريجيًا عن حصرها في شخصية الفتاة الرومانسية الجميلة، واتجهت إلى تقديم شخصيات أكثر نضجًا واختلافًا، وشاركت في أعمال سينمائية من بينها «يا تحب يا تقب»، و«قشر البندق»، و«النوم في العسل»، و«احذروا هذه المرأة».
مريم فخر الدين تخوض تجربة الإنتاج السينمائي
لم تقتصر موهبة مريم فخر الدين على التمثيل فقط، بل خاضت تجربة الإنتاج السينمائي، وشاركت في إنتاج ثلاثة أفلام، هي «رنة خلخال» عام 1955، و«رحلة غرامية»، و«أنا وقلبي» عام 1957، في خطوة عكست اهتمامها بتفاصيل الصناعة السينمائية ورغبتها في خوض تجارب فنية مختلفة.
كما حرصت على الاستمرار في العمل الفني لسنوات طويلة، متنقلة بين السينما والتلفزيون، وقدمت أدوارًا متنوعة أكدت قدرتها على مواكبة التغيرات التي شهدتها الدراما والسينما المصرية عبر الأجيال.
زيجات مريم فخر الدين وحياتها الشخصية
وعلى المستوى الشخصي، تزوجت مريم فخر الدين أربع مرات خلال حياتها؛ كانت الزيجة الأولى عام 1952 من المخرج محمود ذو الفقار، الذي تعاونت معه في عدد من الأعمال السينمائية، وأنجبت منه ابنتها إيمان، واستمر زواجهما نحو 8 سنوات قبل الانفصال.
وبعد ذلك تزوجت من الطبيب محمد الطويل، وأنجبت منه ابنها محمد، ثم انتقلت إلى لبنان وتزوجت من المطرب السوري فهد بلان، قبل أن تدخل تجربة زواج أخيرة من شريف الفضالي، انتهت أيضًا بالطلاق.
وعلى الرغم من تعدد محطاتها الشخصية، ظلت مريم فخر الدين حريصة على مواصلة مشوارها الفني، وقدمت أعمالًا متنوعة تركت من خلالها بصمة واضحة لدى أجيال مختلفة من الجمهور.
تفاصيل الأيام الأخيرة في حياة مريم فخر الدين
أما عن رحيلها، فقد جاء بعد معاناة مع المرض استمرت أكثر من شهر، إثر تعرضها للسقوط داخل منزلها وفقدانها الوعي، الأمر الذي استدعى نقلها إلى مستشفى السلام الدولي، حيث خضعت لعملية جراحية دقيقة في المخ.
ورغم محاولات الفريق الطبي لتحسين حالتها الصحية، لم تشهد حالتها تحسنًا ملحوظًا، ليتم نقلها لاحقًا إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادي لاستكمال الرعاية الطبية، إلا أن المرض كان قد أنهك جسدها، لترحل عن عالمنا تاركة وراءها مسيرة فنية طويلة وحافلة بالإنجازات.
مريم فخر الدين.. وجه لا يغيب عن ذاكرة السينما المصرية
برحيل مريم فخر الدين، فقدت السينما المصرية واحدة من أبرز نجماتها اللاتي ارتبطن بمرحلة مهمة من تاريخها، فقد استطاعت أن تجمع بين الجمال والموهبة والحضور الهادئ، وأن تصنع لنفسها مكانة خاصة بأعمال تنوعت بين الرومانسية والدراما والاجتماعيات.
وبعد سنوات طويلة من العطاء الفني، لا تزال أفلامها حاضرة على الشاشات، وتحظى باهتمام الجمهور، خاصة الأعمال التي شاركت فيها خلال العصر الذهبي للسينما المصرية، لتظل مريم فخر الدين واحدة من الأسماء التي يصعب نسيانها، ويبقى لقب «حسناء الشاشة» شاهدًا على حضورها الاستثنائي في وجدان محبي الفن.