لم تبدأ العلاقة بين مصر وماليزيا في قاعات السياسة، بل بدأت في أروقة الجامع الأزهر، هناك، في ثلاثينيات القرن الماضي، وصلت أولى أفواج الطلبة الماليزيين لتلقي علوم الدين واللغة، فكانت تلك البعثات العلمية هي الجسر الأول الذي عبرت عليه المودة بين الشعبين، قبل أن تتحول إلى علاقات رسمية.
وتشير بيانات الهيئة العامة للاستعلامات، إلى أن البلدين تبادلا التمثيل الدبلوماسي الكامل عام 1959، ثم خطت كوالالمبور خطوة إضافية بتعيين أول سفير لها في القاهرة عام 1960، لتفتح بذلك فصلا جديدا من التعاون المؤسسي.
من اتفاق تجاري إلى مجلس رجال أعمال
وعلى المستوى الاقتصادي، تحركت القاهرة وكوالالمبور مبكرا، ففي عام 1962 وقعت الحكومتان أول اتفاق للتجارة بينهما، وظل التعاون محدودا حتى افتتحت مصر مكتبها التجاري في كوالالمبور عام 1991، لكن النقلة الحقيقية حدثت في عام 1997، عندما توجه الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى ماليزيا للمشاركة في قمة مجموعة الـ 15، تلك الزيارة لم تكن بروتوكولية، إذ شهدت التوقيع على تسع اتفاقيات دفعة واحدة في مجالات التعاون الفني والتجاري، وأعادت ترتيب أولويات العلاقة ليصبح الاقتصاد في صدارتها.
ورغم أن مصر تعد اليوم من أهم الشركاء التجاريين لماليزيا في المنطقة العربية، إلا أن كفة الميزان لا تزال تميل بوضوح لصالح الجانب الماليزي، ويعزو مراقبون ذلك إلى النشاط الكثيف لرجال الأعمال الماليزيين وسعيهم الدؤوب لاقتناص فرص التصدير إلى السوق المصري، مدعومين بوجود مكتب لهيئة تنمية الصادرات الماليزية "ماتريد" في قلب القاهرة.
ولكسر هذا الخلل، تأسس عام 2003 مجلس رجال الأعمال المصري الماليزي المشترك، كأول خطوة جادة ومنظمة لدفع حركة التجارة وفتح الباب أمام الاستثمارات المتبادلة.
ماذا نصدر وماذا نستورد؟
وتنوعت الصادرات المصرية إلى ماليزيا، لتشمل سبائك الألومنيوم والبرتقال والفوسفات والأملاح المعدنية والأسمدة وغزل القطن والسجاد والموكيت والتوابل، مقابل اعتماد السوق المصرية على الواردات الماليزية التي يتصدرها زيت النخيل والأخشاب والأجهزة الكهربائية وأجهزة الكمبيوتر والكاكاو وإطارات السيارات والمنظفات الصناعية والنحاس.
بتروناس في قلب الصحراء والدلتا
بلغ التعاون ذروته في قطاع الطاقة، ففي 13 فبراير 2019، وقعت شركتا مصر للبترول وبتروناس الماليزية مذكرة تفاهم لاستغلال الطاقات الفائضة بمجمع الزيوت في العامرية بالإسكندرية، عبر تأسيس شركة جديدة تسوق زيتا بعلامة تجارية مشتركة للسوق المحلي والتصدير، مع تبادل الخبرات بين مراكز البحوث في الشركتين.
وسبق ذلك في 25 أكتوبر 2018 مباحثات موسعة بين وزير البترول طارق الملا ورئيس بتروناس "وان ذو الكفل" حول زيادة استثمارات الشركة في حقول الغاز بالبحر المتوسط، وتحديدا مشروع "9 ب" الذي تنفذه بالشراكة مع شركة شل، كما شهد الوزير نفسه في يوليو من نفس العام توقيع مذكرة لإنتاج 30 ألف طن سنويا من الزيوت عالية الجودة في مجمع العامرية وتصديرها إلى أفريقيا.
أرقام التبادل.. طموح أكبر من الواقع
رغم متانة العلاقات السياسية، لا يزال حجم التبادل التجاري متواضعا، ففي عام 2008 بلغ 825.2 مليون دولار، لم تتجاوز حصة الصادرات المصرية منها 108 ملايين دولار، وخلال الربع الثاني من 2009 ارتفع الرقم إلى 441.3 مليون دولار، لكن الصادرات المصرية تراجعت إلى 15 مليونا فقط، بلأضافة إلى أن حجم التبادل قدر عام 2014 بنحو مليار دولار، وهي أرقام يؤكد خبراء الاقتصاد أنها لا تعكس عمق الروابط التاريخية بين البلدين.
الاستثمارات
وتكشف لغة الأرقام عن فجوة استثمارية واسعة، فمنذ عام 2001 وحتى ديسمبر 2015، ضخت الشركات الماليزية نحو 12 مليار دولار في السوق المصرية.
وتتركز الاستثمارات الماليزية في مصر في شركة بتروناس العملاقة، التي قررت في 2009 زيادة استثماراتها بمقدار 600 مليون دولار لتصل إلى 3.6 مليار دولار، بالإضافة إلى ثلاثة مشروعات بقيمة 20 مليون دولار لتخزين زيت النخيل في السويس، وتصنيع هياكل السيارات في العاشر من رمضان، والصناعات الخشبية في دمياط، فضلا عن مشروعات مشتركة لإنتاج وتكرير زيت الطعام وزبدة الكاكاو.
وتمتد الاستثمارات أيضا إلى قطاع السيارات، عبر وجود شركة بروتون الماليزية التي تدرس منذ 2008 التحول من مجرد التجارة إلى التصنيع الكامل في مصر، بالتعاون مع شركة النصر للسيارات والمنطقة الاستثمارية المخصصة للسيارات في 6 أكتوبر.
وعلى صعيد التعاون المؤسسي، أثمرت زيارة وزير الاستثمار إلى كوالالمبور في أغسطس 2008 عن توقيع مذكرة تفاهم بين هيئة الاستثمار المصرية ونظيرتها الماليزية، والاتفاق على الاستفادة من الخبرة الماليزية الرائدة في مجالات التمويل الإسلامي وتطوير سوق المال وإصدار الصكوك، وهي ملفات لا تزال تمثل أرضا خصبة للتعاون حتى اليوم.