ملحمة ملاحات بورفؤاد..6 ساعات أوقفت رتلاً إسرائيليًا وكشفت شجاعة الصاعقة المصرية

صوت |
الأربعاء 07/10/2026 10:49 ص
ملحمة ملاحات بورفؤاد..6 ساعات أوقفت رتلاً إسرائيليًا وكشفت شجاعة الصاعقة المصرية
حرب أكتوبر

في عمق الجبهة شرق مدينة بورفؤاد، تحولت ملاحات شاسعة إلى ساحة مواجهة استثنائية، بعدما كُلفت عناصر من الكتيبة 103 صاعقة بقطع طريق الإمداد الساحلي ومنع وصول تعزيزات إسرائيلية إلى حصن «بودابست» بالتزامن مع الهجوم المصري على الحصن.

كانت المهمة تبدو أقرب إلى المستحيل، لكن رجال السرية الثالثة، بقيادة النقيب محمود يسري العشماوي ومعه الملازم علي حلمي، اختاروا الطريق الأصعب؛ التسلل ليلًا عبر ملاحات بورفؤاد، وسط طين رخو ومياه شديدة الملوحة، للوصول إلى موقع يسمح لهم بنصب كمين للقوات الإسرائيلية.

بورفؤاد.. ساعات من السير وسط المياه

لم تكن العقبة في القوات الإسرائيلية وحدها، بل كانت الطبيعة نفسها خصما شرسا.

خاض الجنود لساعات في المياه، التي وصلت في بعض المناطق إلى مستويات مرتفعة، وهم يحملون على أكتافهم قواعد الصواريخ والألغام الثقيلة، مستعينين بالنجوم في تحديد الاتجاه، حتى وصلوا إلى المنطقة الواقعة عند الكيلو 10 شرق الحصن.

وهناك وجدوا أنفسهم خارج نطاق مظلة المدفعية المصرية الصديقة، ليصبح الاعتماد على التخطيط والتمويه والقدرة على الاحتمال هو السلاح الأهم.

ومع اقتراب فجر 15 أكتوبر، ظهرت مفاجأة جديدة، فعندما بدأ الجنود في حفر مواقعهم، لم تتجاوز عملية الحفر نحو 10 سنتيمترات حتى ظهرت المياه الجوفية.

اضطر الرجال إلى استخدام حفر مائية طولية، والاستفادة من شكائر الطين في الاحتماء والتمويه، والبقاء في مواقعهم انتظارًا لمرور القوات الإسرائيلية.

كمين صُمم لإجبار الدبابات على تغيير مسارها

وسط هذه الظروف، جرى إعداد خطة تعتمد على الخداع أكثر من المواجهة المباشرة.

وبحسب الرواية المتداولة عن المعركة، قام الرقيب النوبي يحيى حسب الله بزرع لغمين ظاهرين على الطريق، إلى جانب إعداد حفر وهمية، بهدف دفع الدبابات الإسرائيلية إلى التوقف والانحراف بعيدًا عن الطريق.

وكان المسار البديل هو الجزء الأخطر من الكمين؛ منطقة رملية ضيقة بين الطريق والبحر، جرى زرع 12 لغما حقيقيا فيها، انتظارا للحظة المناسبة.

لم يكن الهدف مجرد إيقاف الرتل، وإنما إجباره على التحرك في الاتجاه الذي حدده المخططون للكمين.

الفجر يفتح باب المعركة

مع اقتراب الفجر، تحرك رتل مدرع إسرائيلي قادما من اتجاه بالوظة، بينما كانت كشافاته مضاءة، وفق الرواية المتداولة عن أحداث المعركة.

وبمجرد وصول مقدمته إلى منطقة الألغام، بدأت المواجهة.

انفجرت الألغام، ثم فتحت عناصر الصاعقة المصرية نيرانها باستخدام قذائف «آر بي جي» والصواريخ، لتتحول المنطقة إلى اشتباك عنيف من مسافات قريبة.

ولم يكن الكمين نهاية المعركة، بل بدايته.

فمع تدخل الطائرات الإسرائيلية وقذائف الهاون، استمرت المواجهة لساعات، في ظروف بالغة القسوة، وسط أرض موحلة ومياه مالحة ونيران متبادلة.

6 ساعات من القتال

بحسب الرواية الواردة في المصادر التي تناولت المعركة، استمر الاشتباك نحو 6 ساعات متواصلة، وأسفر عن تدمير عدد من الآليات المدرعة الإسرائيلية.

وتشير الرواية إلى أن السرية تمكنت من تدمير 13 آلية مدرعة، وإيقاع خسائر بشرية في صفوف القوات الإسرائيلية، وهي أرقام تُنسب في بعض الروايات إلى ما ورد في مذكرات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك دافيد إليعازر.

لكن الثمن المصري كان باهظا للغاية.

فمن بين نحو 165 مقاتلًا شاركوا في المهمة، تشير الرواية إلى استشهاد 159 مقاتلًا، كان من بينهم قائد السرية النقيب محمود يسري العشماوي.

حين يصبح المستحيل مهمة عسكرية

لم تكن ملحمة ملاحات بورفؤاد مجرد اشتباك عسكري عابر، بل مثالًا على طبيعة المهام التي واجهتها القوات المصرية خلال حرب أكتوبر؛ حيث لم يكن التفوق في العدد أو السلاح هو العامل الوحيد، وإنما لعبت الجرأة، والتمويه، وحسن استغلال الأرض، والقدرة على التحمل دورا حاسما في تنفيذ المهام الصعبة.

وفي ذاكرة حرب أكتوبر، بقيت قصة رجال السرية الثالثة في ملاحات بورفؤاد واحدة من الروايات التي تختزل معنى التضحية؛ جنود واجهوا المياه والطين والظلام والنيران، وخاضوا معركة يعلمون أن العودة منها قد لا تكون ممكنة.

اقرأ أيضاً