لم يكن مجرد قائد عسكري عابر في تاريخ الجيش المصري، بل كان واحدا من أبرع 50 قائدا عسكريا في التاريخ الحديث كما صنفته كبرى الموسوعات العسكرية العالميةإنه المشير محمد عبد الغني الجمسي، الرجل الذي عرفته إسرائيل أكثر مما عرفه المصريون أنفسهم، حتى أطلقت عليه رئيسة وزرائها جولدا مائير لقب "الجنرال النحيف المخيف".
رحلة صعود قائد يعرف عدوه
كان الجمسي من أكثر قيادات الجيش دراية بالعدو الإسرائيلي، دراسة وتحليلا، وهو ما ساعده على الصعود بقوة في سلم القيادة، تدرج حتى تولى رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة، ثم رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة، وهو المنصب الأخطر الذي شغله عام 1972 ولم يتركه إلا أثناء الحرب ليشغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة.
لقد دافع عن وطنه في ميدان القتال وعلى طاولة المفاوضات، فكان قائدا ومفاوضا بارزا في آن واحد، في فترة هي الأخطر في تاريخ مصر الحديث، ويعتبره الخبراء من أفضل من أضافوا إلى التكتيكات العسكرية في حروب العصر الحديث.
المشير الجمسي.. خطة "شامل" التي أرعبت موشي ديان
ومن أبرز بصماته، إعداده لخطة لتصفية الثغرة في الغرب عرفت باسم "شامل"،هذه الخطة تحدث عنها وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان نفسه في مذكراته صفحة 383، وقال بالنص، كانت هناك خطة مصرية لمهاجمة قواتنا في الغرب من اتجاه القاهرة وعزل رأس الجسر، بإقامة اتصال بين الجيشين الثاني والثالث على الشاطئ الشرقي، وكانت ستتم تحت قصف مركز قوي من المدفعية على قواتنا التي لم تكن محصنة، ما يكبدنا خسائر فادحة، ولذا فإن الاحتمال الموضوع للخطة أن إسرائيل تنسحب خوفا على حياة جنودها وهو أمر حساس بالنسبة لإسرائيل.

ولم يكن ديان وحده من يخشاه، فقد قال له وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر في مباحثات أسوان: "إن الإسرائيليين يخشون الجنرال الجمسي أكثر من أي قائد عربي آخر".مفاوض لايعرف المساومة
كان الجمسي من أشرس المفاوضين الذين جلسوا أمام إسرائي، لترأس وفد مصر في مفاوضات الكيلو 101 الشهيرة، وكان له رد حاسم عندما تعنت الوفد الإسرائيلي واقترح الاحتفاظ بمطارات في رفح والعريش ومستوطنة ياميت ومحطات إنذار مبكر، وكان رده قاطعا: "لو بقي الإسرائيليون في رفح فإن ذلك سيكون الشرارة التي تشعل نار الحرب القادمة، لا يوجد مصري واحد يوافق على التخلى عن سنتيمتر واحد من الأراضي المصرية، وليكن واضحا أننا لا نستطيع الاستجابة لاقتراحاتكم بشأن تغيير الحدود"، بألأضافة الى أن التاريخ لن ينسى خروجه في يناير 1974 على الجنرال ياريف رئيس الوفد الإسرائيلي دون إلقاء تحية أو مصافحة، وجلس مترئسا الوفد المصري بكل تجاهل، عندما أخبره كيسنجر بموافقة السادات على انسحاب أكثر من 1000 دبابة و70 ألف جندي، فرفض الجمسي وسارع بالاتصال بالرئيس.
الجمسي.. محطات في حياة الجنرال
ولد المشير الجمسي، في 9 سبتمبر 1921 في قرية البتانون بالمنوفية لأسرة ميسورة كان والده تاجرا وصاحب مصانع نسيج، تخرج في مدرسة المساعي المشكورة بشبين الكوم عام 1936، ثم في الكلية الحربية عام 1939، واعتبر أحد أقطاب سلاح المدرعات، كما شارك في معركة العلمين في الحرب العالمية الثانية، وشهد أكبر معارك الدبابات في التاريخ، وقبل نكسة 67 كان رئيس هيئة عمليات القوات البرية، وبعدها تولى رئاسة أركان جبهة القناة، وعقب الهزيمة تقدم باستقالته ليفسح المجال للجيل الجديد، لكن الرئيس جمال عبد الناصر رفضها وأسند إليه مهمة الإشراف على تدريب الجيش.
تولى رئاسة هيئة التدريب عام 71 ورئاسة المخابرات العسكرية في 72، ثم هيئة العمليات المسؤولة عن إعداد خطة حرب أكتوبر، وتولى رئاسة الأركان خلفا للفريق سعد الشاذلي يوم 13 ديسمبر 73، وترقى إلى فريق أول عام 75 وتولى القيادة العامة للقوات المسلحة، وكان آخر وزير يحمل لقب وزير الحربية قبل تغييره إلى وزير الدفاع.
كشكول الجمسي.. سر اختيار 6 أكتوبر
أدى الجمسي، واجبه في التخطيط من خلال هيئة العمليات، وعرف العالم قصة "كشكول الجمسي" الشهير، حيث كتب فيه أنسب التوقيتات للقيام بالحرب بالاشتراك مع ضباط التخطيط، هذا الكشكول موجود اليوم في المتحف الحربي بالقلعة، واعتمد على دراسة دقيقة للموقف العسكري للعدو والقوات المصرية والسورية، وتم اختيار يوم 6 أكتوبر بناء على تلك الدراسة العبقرية، حيث رحل في 7 يونيو 2003 عن عمر 82 عاما، بعد رحلة عطاء ستظل محفورة في ذاكرة العسكرية المصرية.