6 أكتوبر في الثانية ظهرا.. كيف اختير توقيت العبور بحسابات دقيقة؟

صوت |
الاثنين 05/10/2026 04:24 م
6 أكتوبر في الثانية ظهرا.. كيف اختير توقيت العبور بحسابات دقيقة؟

تحتفل مصر في السادس من أكتوبر من كل عام بذكرى نصرها الأعظم في التاريخ الحديث، اليوم الذي استعادت فيه الأرض والكرامة بعد ست سنوات من الاحتلال، منذ حرب يونيو 1967، ست سنوات لم تكن سنوات صمت، بل كانت سنوات تخطيط وبناء لجيش جديد، عمل فيه الجميع من الجندي في الخندق إلى الفلاح في الحقل، حتى جاءت اللحظة التي انتظرها المصريون طويلا.

ورغم أن كتب التاريخ العسكري توقفت طويلا أمام عبقرية العبور واقتحام خط بارليف، إلا أن سؤالا واحدا ظل يلاحق الأجيال، لماذا 6 أكتوبر تحديدا؟ ولماذا الساعة الثانية ظهرا؟.. الإجابة لا تكمن في الصدفة، بل في عقل رجل واحد كلف بالمستحيل.

البطل المجهول وراء ساعة الصفر

صاحب هذا اللغز هو اللواء أركان حرب صلاح فهمي نحلة، رئيس فرع التخطيط بهيئة عمليات القوات المسلحة، هو الرجل الذي كلفه اللواء محمد عبد الغني الجمسي بدراسة أنسب يوم وساعة لبدء الحرب، لم يكن الأمر مجرد اختيار تاريخ في التقويم، عكف اللواء نحلة لأيام طويلة يدرس ثلاث جبهات في وقت واحد وهى، السماء، والماء، والعدو.

السماء والطقس.. الحرب لا تبدأ في العاصفة

و كانت أولى حسابات اللواء نحلة، حالة الطقس وتأثيرها على مسرح العمليات، خاصة على القوات الجوية، وكان لابد من اختيار يوم تكون فيه الرؤية واضحة والرياح هادئة حتى تنجح الضربة الجوية الأولى.

أصعب مانع مائي في العالم

العامل الثاني والأخطر كان قناة السويس نفسها، فالقناة كما يقول الخبراء، هي أصعب مانع مائي في العالم عسكريا بعد قناة بنما، سرعة التيار فيها وحالة المد والجزر يمكن أن تحول عملية العبور إلى كارثة إذا تم اختيار توقيت خاطئ، لذلك كان يجب دراسة جداول المد والجزر بدقة متناهية.

ضوء القمر.. نصف مضيء ونصف مظلم

العامل الثالث كان أكثر دهاء، كان المخططون يريدون ليلة يكون فيها القمر ساطعا في نصفها الأول ومظلما في نصفها الثاني، لماذا؟ حتى يتم بناء الكباري على ضوء القمر، ثم تعبر المجنزرات والدبابات في جنح الظلام الدامس، فلا يراها العدو.

لماذا السادس من أكتوبر؟

عندما اجتمعت كل هذه الحسابات الفلكية والجغرافية، كانت النتيجة هي يوم 6 أكتوبر، لكن كانت هناك أسباب أخرى عبقرية أضافتها خطة الخداع الاستراتيجي:

أولا، كان هذا اليوم يوافق عيد الغفران "يوم كيبور" عند اليهود، وهو يوم تتوقف فيه الحياة تماما في إسرائيل، وتتعطل فيه وسائل الإعلام والراديو، وهي الوسيلة الأساسية التي يستدعي بها الجيش الإسرائيلي قوات الاحتياط، فجاء العبور في يوم شلت فيه أذرع العدو.

ثانيا، كان يوم 6 أكتوبر يوافق العاشر من رمضان، وهو توقيت لا يتوقع فيه أحد أن يشن جيش مسلم حربا شاملة وهو صائم، وهو ما حقق عنصر المفاجأة كاملا.

ثالثا، كانت نهاية شهر أكتوبر تشهد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، ما يعني انشغال الدولة العبرية بالداخل السياسي.

ورابعا، على الجبهة السورية، كان شهر نوفمبر يعني بداية سقوط الجليد على هضبة الجولان، مما يجعل الطقس غير صالح للقتال، لذا كان أكتوبر هو الفرصة الأخيرة قبل الشتاء.

لماذا الثانية ظهرا؟

وهنا اكتملت العبقرية، حيث انتهت دراسة اللواء نحلة إلى حقيقة رقمية، وهى احتياج مصر لـ 8 ساعات كاملة لإتمام عملية العبور وبناء الكباري، بينما إسرائيل تحتاج لـ6 ساعات فقط لعقد مجلس الوزراء واتخاذ قرار الحرب والرد.

لذلك، كان يجب أن يبدأ الهجوم في وقت متأخر من النهار، بين الثانية عشرة والثانية ظهرا، حتى ينتهي النهار وتنتهي معه عملية العبور، فيحل الظلام ويعجز العدو عن القيام برد فعل حقيقي في نفس اليوم.

وتم اختيار الساعة الثانية ظهرا تحديدا لسبب علمي دقيق، وهو أن الشمس في هذا التوقيت تكون عمودية فوق الرؤوس، وليست في وجه الجنود المصريين العابرين، فلا تعيق الرؤية، بينما تكون في وجه العدو الإسرائيلي المدافع في الضفة الشرقية.

حمل هذه الدراسة اللواء الجمسي إلى الفريق سعد الدين الشاذلي، ثم إلى المشير أحمد إسماعيل، ثم إلى الرئيس أنور السادات، الذي وافق عليها فورا.

وقال المشير أحمد إسماعيل بعدها جملته الشهيرة، "لقد كان تحديد يوم الهجوم عملا علميا على مستوى رفيع، وسوف يدخل التاريخ العسكري كنموذج للدقة المتناهية".

وهكذا، في الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر يوم السبت 6 أكتوبر 1973، انطلقت 220 طائرة مصرية لتدك حصون العدو، تلتها قذائف ألفين مدفع، ثم نزلت القوارب المطاطية إلى القناة تحمل أبطال المشاة، وعندما ارتفع أذان المغرب في ذلك اليوم، كانت مصر قد كتبت أعظم صفحاتها.

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً