«أرز أكثر بمياه أقل».. 40 عامًا قادها عالم مصري لتغيير معادلة الإنتاج ودعم الأمن الغذائى

صوت |
السبت 19/09/2026 01:45 م
«أرز أكثر بمياه أقل».. 40 عامًا قادها عالم مصري لتغيير معادلة الإنتاج ودعم الأمن الغذائى
الأرز
ص
صوت

أكثر من 40 عامًا في البحث والتجارب.. وأصناف جديدة من الأرز تجمع بين ارتفاع الإنتاجية وقِصر مدة الزراعة وتحمل الملوحة ونقص المياه، لم يعد تطوير محصول الأرز في مصر مرتبطًا فقط بزيادة المساحات المنزرعة، وإنما أصبح رفع إنتاجية الفدان وخفض الاحتياجات المائية محورًا رئيسيًا في جهود تطوير المحصول، وهي المعادلة التي عمل عليها الأستاذ الدكتور حمدي فتوح الموافي، مدير المشروع القومي لتطوير إنتاجية الأرز، على مدار عقود من البحث العلمي والعمل داخل المعمل والحقل.

وخلال هذه الرحلة، شارك الموافي وفريقه البحثي في استنباط وتسجيل عدد من أصناف وهجن الأرز التي تستهدف التعامل مع تحديات الزراعة المصرية، وفي مقدمتها ندرة المياه وملوحة التربة والتغيرات المناخية، مع الحفاظ على إنتاجية مرتفعة وجودة مناسبة للمزارعين والمستهلكين.

«سخا سوبر 300».. من الحقل المصري إلى منصة جنيف

يبرز اسم «سخا سوبر 300» باعتباره أحد أهم مخرجات هذه الرحلة البحثية، بعدما ارتبط باستنباط صنف من الأرز السوبر عالي الإنتاجية، يتميز بقدرته على تحمل نقص المياه والملوحة والتأقلم مع الظروف المناخية.

وفي عام 2022، حصل الدكتور حمدي الموافي على الميدالية الذهبية في معرض جنيف الدولي للاختراعات عن ابتكار تطبيقي لاستنباط صنف أرز «سخا سوبر 300»، في إنجاز عكس جانبًا من جهود البحث العلمي المصري في مجال تطوير المحاصيل.

ويتميز «سخا سوبر 300» بإنتاجية مرتفعة، بينما تصل إنتاجيته المسجلة إلى نحو 8.5 إلى 10.5 طن للهكتار وفق بيانات قسم بحوث الأرز، بما يعكس أهمية برامج تربية الأصناف عالية الإنتاجية في زيادة العائد من وحدة الأرض.

301 و302 و303.. تطوير مستمر للمعادلة

ولم تتوقف جهود تطوير الأرز عند «سخا سوبر 300»، حيث امتدت إلى أصناف أخرى من بينها «سخا سوبر 301» و«سخا سوبر 302» و«سخا سوبر 303».

وتتميز هذه المجموعة بقصر فترة النمو مقارنة بعدد من الأصناف التقليدية، وهو عامل مهم في خفض استهلاك المياه وإتاحة مرونة أكبر أمام المزارع في توقيتات الزراعة.

كما تستهدف الأصناف الجديدة تحقيق إنتاجية مرتفعة مع تحمل ظروف نقص المياه والملوحة ودرجات الحرارة المرتفعة، بما يجعل كفاءة استخدام المياه جزءًا أساسيًا من عملية استنباط الصنف، وليس هدفًا منفصلًا عن زيادة الإنتاج.

المعادلة الأصعب: إنتاج أكثر.. ومياه أقل

تكمن أهمية هذه الأبحاث في طبيعة محصول الأرز نفسه، الذي ارتبط تاريخيًا باحتياجات مائية مرتفعة.

ومع تطوير الأصناف الحديثة وتحسين أساليب الري، أصبحت المعادلة مختلفة: زيادة إنتاجية وحدة الأرض مع خفض كمية المياه اللازمة للوصول إلى هذا الإنتاج.

وتشير بيانات منشورة حول الأصناف الحديثة إلى إمكانية خفض متوسط الاحتياجات المائية للفدان مقارنة بالمعدلات التقليدية، بالتزامن مع رفع إنتاجية الفدان إلى مستويات تتراوح في بعض الأصناف الجديدة بين نحو 4 و5 أطنان للفدان وفق الصنف وظروف الزراعة.

وهنا تظهر أهمية البحث الزراعي التطبيقي؛ فزيادة الإنتاجية لا تعني فقط زيادة المحصول، وإنما تعني أيضًا الحصول على كمية أكبر من الغذاء من وحدة الأرض والمياه نفسها.

الأمن الغذائي يبدأ من البذرة

يمثل الأرز أحد المحاصيل الغذائية الرئيسية في مصر، ولذلك فإن تطوير أصنافه يرتبط بصورة مباشرة بقضية الأمن الغذائي.

فعندما يستطيع الباحث استنباط صنف أعلى إنتاجية وأقل استهلاكًا للمياه وأكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية، فإن الأثر لا يتوقف عند حدود الحقل، وإنما يمتد إلى منظومة الغذاء بالكامل.

وتصبح أهمية هذه الأبحاث أكبر مع ارتفاع الضغوط على الموارد الطبيعية، والحاجة إلى تحقيق التوازن بين زيادة الإنتاج الزراعي والحفاظ على الموارد المائية.

ولهذا، فإن تطوير أصناف الأرز السوبر والهجين يمثل أحد مسارات البحث عن حلول عملية لمعادلة الأمن الغذائي في ظل المتغيرات المناخية والمائية.

أكثر من صنف.. منظومة بحثية متكاملة

العمل الذي قاده الموافي وفريقه لم يقتصر على صنف واحد، وإنما شمل تطوير أصناف وسلالات وهجن متعددة الأغراض.

وامتدت الأبحاث كذلك إلى الأرز البسمتي المصري، في محاولة لتقديم أصناف محلية تجمع بين جودة الحبوب والإنتاجية المرتفعة، بما يفتح المجال أمام تقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة وتعزيز القيمة الاقتصادية للمحصول المحلي.

وتكشف هذه التجربة عن طبيعة البحث الزراعي الذي يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل قبل أن يصل الابتكار إلى الحقل؛ فالصنف الذي يراه المزارع اليوم هو نتاج مراحل متتابعة من التهجين والانتخاب والتجارب والتقييم والتسجيل.

من المختبر إلى المزارع

القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن فقط في الجوائز التي حصلت عليها الابتكارات، وإنما في انتقال نتائج البحث من الأوراق والمعامل إلى أصناف يمكن زراعتها والاستفادة منها فعليًا.

وهنا يظهر الدور الذي يلعبه العلماء في منظومة الأمن الغذائي: البحث عن حلول لا تعتمد فقط على زيادة الموارد، وإنما على رفع كفاءة الموارد المتاحة.

ففي ملف الأرز تحديدًا، أصبحت المعادلة أكثر وضوحًا:

إنتاجية أعلى.. فترة زراعة أقصر.. تحمل أكبر للملوحة ونقص المياه.. وكفاءة أفضل في استخدام الموارد.

وراء هذه المعادلة سنوات طويلة من البحث العلمي، يقودها علماء يعملون بعيدًا عن الأضواء، بينما تظهر نتائج عملهم في الحقول وفي المحاصيل التي تصل في النهاية إلى موائد المصريين.

قصة حمدي الموافي ليست قصة صنف أرز واحد، وإنما نموذج للبحث العلمي حين يتحول إلى إنتاج، والإنتاج حين يتحول إلى جزء من معادلة الأمن الغذائي.

وفي بلد ترتبط فيه الزراعة بالمياه والغذاء ومستقبل الأجيال، يصبح السؤال الذي بدأ به الباحثون أكثر أهمية من أي وقت مضى: كيف ننتج غذاءً أكثر.. بالموارد نفسها أو بموارد أقل؟

والإجابة تبدأ من البذرة

أخبار متعلقة

اقرأ أيضاً