الوجه البشوش الذي دخل القلوب قبل أن يدخل الشاشات وصاحب الابتسامة الهادئة التي ارتبطت لدى الجمهور بالبساطة وخفة الظل والصدق.. هكذا عرف المصريون الفنان الراحل لطفي لبيب، الذي لم يحتج يوماً إلى البطولة المطلقة ليصبح نجماً بل صنع مكانته بموهبته حتى تحول إلى واحد من أهم نجوم الأدوار الثانية في تاريخ السينما والدراما المصرية تاركاً وراءه أكثر من 400 عمل فني صنعت جزءاً من ذاكرة أجيال كاملة.
وُلد لطفي حسني لبيب في 18 أغسطس 1947 بمركز ببا في محافظة بني سويف وحصل على ليسانس الآداب قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ويتخرج فيه عام 1970، لكن حلمه بالتمثيل تأجل سنوات،بعدما التحق بالقوات المسلحة وقضى ست سنوات في الخدمة العسكرية وكان أحد أبطال حرب أكتوبر 1973، وهي التجربة التي ظل يعتز بها طوال حياته، حتى وثقها في كتابه "الكتيبة 26" الذي روى فيه جانباً من ذكرياته خلال الحرب.
وبعد انتهاء خدمته العسكرية سافر للعمل خارج مصر لعدة سنوات قبل أن يعود مطلع الثمانينيات ليبدأ رحلته الفنية التي انطلق خلالها بهدوء وثبات حتى أصبح واحداً من أكثر الفنانين مشاركة في الأعمال السينمائية والتليفزيونية.
ورغم أنه لم يكن من نجوم البطولة المطلقة فإن لطفي لبيب نجح في خطف الأنظار في كل شخصية قدمها حتى بات ظهوره في أي عمل بمثابة علامة مميزة ينتظرها الجمهور.
وشارك في أكثر من 400 عمل من أبرزها «السفارة في العمارة»، «عسل أسود»، «مرجان أحمد مرجان»، «طير إنت»، «كده رضا»، «يا أنا يا خالتي»، «إتش دبور»، «رمضان مبروك أبو العلمين حمودة»، «بوشكاش»، و«ابن القنصل»، إلى جانب عشرات المسلسلات والمسرحيات.
وكان فيلم «السفارة في العمارة» من أبرز محطات مشواره بعدما قدم شخصية السفير الإسرائيلي بأداء مختلف جمع بين الكوميديا والدراما، ليصبح الدور من أشهر الشخصيات التي قدمها في السينما.
ورغم نجاحه الكبير ظل لطفي لبيب بعيداً عن الصخب وكانت تصريحاته تعكس دائماً فلسفته الخاصة في الفن.
ففي أحد لقاءاته النادرة أكد أن الفن لا يعرف احتكار النجومية قائلاَ إن الفنان الحقيقي لا يخشى المنافسة لأن "الفن يسع الجميع" وأن الموهبة وحدها هي التي تفرض نفسها على الجمهور.
كما شدد على أن النجاح لا يرتبط بحجم الدور وإنما بقدرة الفنان على تقديم شخصية صادقة مؤكداً أن بعض الأدوار الصغيرة تعيش في ذاكرة الناس أكثر من بطولات كاملة.
وفي لقاء آخر تحدث عن الفنان الراحل حسن حسني واصفاً إياه بأنه صاحب موهبة استثنائية وقلب كبير مؤكداً أن العمل معه كان متعة حقيقية وأنه تعلم منه الكثير خاصة احترام زملائه داخل موقع التصوير، والحرص على دعم الفنانين الشباب.
كما أشاد بالفنان نور الشريف معتبراً أنه من أهم نجوم جيله وأن الفنان الحقيقي يظل محتفظاً بقيمته مهما مرت السنوات طالما احترم فنه وجمهوره.
وعُرف لطفي لبيب بثقافته الواسعة وكان يرى أن الفن رسالة قبل أن يكون وسيلة للشهرة، لذلك ابتعد طوال حياته عن إثارة الجدل وحرص على أن تكون علاقته بزملائه قائمة على الاحترام والمحبة مؤكداً في أكثر من مناسبة أن أكبر مكافأة حصل عليها هي حب الجمهور.
وفي سنواته الأخيرة واجه الفنان الراحل أزمة صحية صعبة بعدما تعرض عام 2017 لجلطة في المخ أثرت على الحركة والكلام ما اضطره إلى الابتعاد تدريجيًا عن التمثيل، مكتفيًا بظهور محدود في بعض المناسبات واللقاءات التلفزيونية.
ورغم تراجع حالته الصحية ظل متمسكاً بالأمل وكان يردد أن الرضا هو أعظم ما يمكن أن يمتلكه الإنسان، كما كان حريصًا على متابعة الحركة الفنية وتشجيع الأجيال الجديدة مؤكداً أن الفن المصري سيظل قادراً على تقديم المواهب في كل زمن.
وفي أيامه الأخيرة تعرض لطفي لبيب لوعكة صحية شديدة استدعت نقله إلى أحد المستشفيات حيث تدهورت حالته بعد إصابته بنزيف في الحنجرة والتهاب رئوي حاد وظل تحت الرعاية الطبية داخل غرفة العناية المركزة قبل أن يرحل في 30 يوليو 2025 عن عمر ناهز 77 عاماً.