لعب القدر دوراً استثنائياً في حياة الفنان الكبير فريد شوقي إذ اختار له أن يبدأ رحلته وينهيها في الشهر نفسه ففي 30 يوليو عام 1920 استقبلت مصر مولد طفل سيصبح لاحقاً أحد أهم نجوم السينما العربية بينما رحل عن عالمنا في 27 يوليو 1998 ليظل شهر يوليو شاهداً على ميلاد "وحش الشاشة" ووداعه بعد رحلة امتدت لأكثر من نصف قرن.
ورغم مرور سنوات على رحيله لا يزال اسم فريد شوقي حاضراً بقوة في ذاكرة الجمهور ليس فقط لأنه قدم مئات الأعمال التي تحولت إلى علامات بارزة في تاريخ السينما وإنما لأنه نجح في صناعة نموذج للبطل الشعبي الذي عبر عن أحلام البسطاء حتى استحق لقب "ملك الترسو" عن جدارة.
من السيدة زينب بدأت الحكاية
وُلد فريد شوقي محمد عبده شوقي في حي السيدة زينب بالقاهرة ونشأ في الحلمية الجديدة وسط أجواء شعبية تركت أثراً واضحاً على شخصيته واختياراته الفنية فيما بعد ،منذ سنواته الأولى أبدى شغفاَ كبيراً بالمسرح فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ضمن الدفعة الأولى التي ضمت أسماء أصبحت لاحقاً من كبار نجوم الفن من بينهم فاتن حمامة، وحمدي غيث، وصلاح منصور.
وكشف "شوقي" في أحد لقاءاته النادرة أن والده كان أول من شجعه على التمثيل رغم أن المجتمع وقتها كان ينظر إلى المهنة باعتبارها أمراً غير مألوف مؤكداً أنه بدأ الوقوف على المسرح وهو في السابعة من عمره قبل أن تتحول الهواية إلى مشروع عمر.
60 فيلماً قبل أن يعرفه الجمهور
لم يصل وحش الشاشة إلى البطولة بسهولة بل مر بسنوات طويلة من الاجتهاد وروى خلال أحد اللقاءاته التليفزيونية أنه شارك في نحو 60 فيلماً بأدوار صغيرة وثانوية قبل أن ينال فرصته الحقيقية معتبراً أن الصبر كان كلمة السر في نجاحه.
وأضاف أن فيلم "حميدو" شكل نقطة التحول الكبرى في مسيرته لأنه لم يكتفِ ببطولته بل شارك أيضاً في كتابته وإنتاجه كما كان من أوائل الأفلام التي خرجت بالكاميرا إلى الشارع وأماكن التصوير الطبيعية وهو ما اعتبره وقتها نقلة مهمة في السينما المصرية.
كيف أصبح "ملك الترسو"؟
ارتبط اسم فريد شوقي لسنوات طويلة بلقب "ملك الترسو" لكنه كشف بنفسه حقيقة هذا اللقب مؤكداً أنه كان مصدر فخر بالنسبة له، لأن "الترسو" كان يضم جمهور الطبقات الشعبية التي أحبته وآمنت بأفلامه.
وأوضح أن دور العرض الشعبية في أحياء مثل شبرا والظاهر والسيدة زينب كانت تحقق فيها أفلامه أعلى الإيرادات، لأن قصصها خرجت من قلب الشارع وتعبر عن الناس البسطاء، لذلك رأى أن هذا اللقب كان شهادة حب من جمهوره وليس مجرد لقب فني.
أفلام خرجت من قلب الشارع
لم يكن ملك الترسو يعتمد على الخيال فقط في اختيار أعماله بل كان يحرص على الاقتراب من الواقع.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك فيلم "الفتوة" الذي كشف أنه استوحى فكرته بعد زيارات متكررة إلى سوق الخضار حيث راقب عن قرب طبيعة العلاقات بين التجار وسيطرة كبار السوق على حركة البيع والشراء.
وقال إن هذه المشاهد اليومية ألهمته بفكرة العمل، ليقدم واحدًا من أشهر أفلام السينما المصرية، الذي لا يزال حاضرًا حتى اليوم.
ممثل ومؤلف ومنتج
لم يكتفي فريد شوقي بالوقوف أمام الكاميرا بل خاض تجربة التأليف والإنتاج مؤمناً بأن الفنان يجب أن يكون صاحب رؤية لا مجرد مؤدي للدور.
وخلال مسيرته كتب وأنتج عدداً من الأعمال التي حققت نجاحا ًجماهيرياً كبيراً كما امتدت شهرته إلى خارج مصر وشارك في السينما التركية ليصبح من أوائل النجوم المصريين الذين حققوا حضوراً عربياً وإقليمياً واسعاً.
الفن رسالة
في لقاءاته التلفزيونية كان فريد شوقي يردد دائماً أن السينما ليست وسيلة للترفيه فقط، بل تمتلك تأثيراً كبيراً في المجتمع معتبراً أن الفيلم الجيد قد يغير سلوك الناس أكثر من عشرات الخطب ولذلك حرص على تقديم أعمال تناقش قضايا اجتماعية وتدافع عن المظلومين وهو ما جعله قريباً من الجمهور طوال مشواره.