كيف أعاد دواء قديم منخفض التكلفة جذب اهتمام العلماء بعد اكتشاف فوائده المحتملة خارج نطاق علاج السكري؟
على مدار أكثر من 60 عامًا، ظل الميتفورمين واحدًا من أكثر الأدوية استخدامًا لعلاج مرض السكري من النوع الثاني، واشتهر بفعاليته في خفض مستويات السكر في الدم وسعره المنخفض مقارنة بالعلاجات الحديثة.
لكن السنوات الأخيرة حملت مفاجآت علمية وضعت هذا الدواء القديم في دائرة اهتمام الباحثين بسبب تأثيرات محتملة تتجاوز وظيفته التقليدية.
آخر هذه المفاجآت جاءت من دراسات بحثية ربطت بين استخدام الميتفورمين وانخفاض احتمالات الإصابة بـ الفصال العظمي (خشونة المفاصل)، خاصة في الركبة والورك، وهو المرض الذي يعاني منه ملايين الأشخاص حول العالم مع التقدم في العمر وزيادة معدلات السمنة.
من علاج السكري إلى محور بحثي جديد
يعمل الميتفورمين بشكل أساسي على تحسين استجابة الجسم للإنسولين وتقليل إنتاج الكبد للجلوكوز، ما يجعله خيارًا أوليًا لدى كثير من مرضى السكري من النوع الثاني.
لكن اهتمام العلماء به توسع بعد ملاحظة تأثيرات أخرى محتملة، منها قدرته على التأثير في بعض المسارات البيولوجية المرتبطة بالالتهاب والشيخوخة الخلوية، وهي عوامل يعتقد الباحثون أنها تلعب دورًا في تدهور أنسجة الجسم، ومنها الغضاريف الموجودة داخل المفاصل.
ماذا تقول الدراسة الجديدة؟
حلل باحثون بيانات صحية لنحو 350 ألف شخص ضمن قاعدة بيانات البنك الحيوي البريطاني، مع متابعة امتدت لأكثر من عشر سنوات. وأشارت النتائج إلى أن مرضى السكري الذين تناولوا الميتفورمين كانوا أقل عرضة للإصابة بالفصال العظمي في الركبة والورك مقارنة بغيرهم.
وتشير النتائج إلى انخفاض محتمل في الخطر يصل إلى نحو 24%، إلا أن العلماء يؤكدون أن هذه النتائج لا تعني حتى الآن أن الميتفورمين أصبح علاجًا مباشرًا لخشونة المفاصل، لأن الدراسات القائمة تعتمد على الملاحظة ولا تثبت بشكل قاطع علاقة السبب والنتيجة.
لماذا يثير الدواء اهتمام الأطباء؟
تكمن أهمية الميتفورمين في عدة نقاط:
خبرة استخدام طويلة: فهو من أكثر الأدوية التي تمت دراسة سلامتها وفعاليتها.
تكلفة منخفضة: ما يجعله متاحًا لشريحة واسعة من المرضى مقارنة بالأدوية الحديثة مرتفعة السعر.
احتمالات علاجية أوسع: إذ يجري بحث تأثيره المحتمل على أمراض مرتبطة بالعمر والالتهابات المزمنة.
هل يمكن أن يصبح الميتفورمين علاجًا للمفاصل؟
رغم الحماس العلمي، ما زال الطريق طويلًا قبل اعتماد الميتفورمين كدواء للوقاية من الفصال العظمي أو علاجه. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى تجارب سريرية مخصصة تختبر تأثير الدواء على أشخاص لا يعانون من السكري لمعرفة ما إذا كانت الفائدة مرتبطة بالدواء نفسه أم بعوامل أخرى لدى مرضى السكري.
قراءة مستقبلية: لماذا قد يكون الدواء القديم أهم من العلاجات الجديدة؟
تبحث المؤسسات الطبية حاليًا عن أدوية موجودة بالفعل يمكن إعادة اكتشاف فوائدها، لأن تطوير دواء جديد قد يستغرق سنوات طويلة وتكاليف ضخمة. ومن هنا يمثل الميتفورمين نموذجًا مثيرًا للاهتمام: دواء رخيص، معروف، وآمن نسبيًا، لكنه قد يحمل وظائف بيولوجية لم تُكتشف بالكامل بعد.
الميتفورمين لم يعد مجرد دواء لتنظيم السكر، بل أصبح محورًا لأبحاث تبحث في إمكانية امتلاكه أدوارًا إضافية في حماية الأنسجة وتقليل مخاطر بعض الأمراض المزمنة. وبينما تظل النتائج الحالية واعدة، فإن التأكيد النهائي يحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل تغيير طريقة استخدام هذا الدواء عالميًا.