تخيل مستثمراً أجنبياً أو محلياً يوقع عقداً كبيراً لإنشاء مصنعٍ أو مشروعٍ سياحيٍ أو تجاريٍ أو طبيٍ في مصر، بعد الحصول على موافقاتٍ رسميةٍ واضحة، بما في ذلك قرارٌ وزاريٌ مُعدٌّ بعنايةٍ من قبل مستشارٍ قانونيٍ منتدبٍ للوزير من مجلس الدولة. يبدأ المشروع، يُضخ رأس المال، ويُوظف العمالة المحلية. ثم فجأة وبدون مقدمات، وبعد أشهرٍ قليلة، يتقدم طرفٌ آخر بدعوى أمام مجلس الدولة ذاته، فيُلغى القرار الوزاري الذي اعتمد عليه المستثمر. الأدهى أن المستشار القانوني نفسه – أو جهته المنتدبة – كان طرفاً أساسياً في إعداد واعتماد هذا القرار.
هذا ليس سيناريو خيالياً، بل واقعٌ متكررٌ في عددٍ من الحالات الاستثمارية في مصر. مثالٌ حي: مشاريع تخصيص أراضٍ صناعيةٍ أو سياحيةٍ أو تجاريةٍ حصلت على قراراتٍ وزارية، ثم طُعن عليها أمام المجلس، فأُلغيت بعد ضح لاستثماراتٍ بالملايين، مما أدى إلى خسائر مباشرة، وتوقف مشاريع، وإحباط مستثمرين. مثل هذه الحوادث تكشف عن قصورٍ جوهريٍ في جودة إعداد التشريع، وعن الفجوة الكبيرة بين النص القانوني والتطبيق الواقعي. التشريعات تُصدر أحياناً دون دراسةٍ كافيةٍ لأثرها العملي، واللوائح التنفيذية تأتي متأخرةً أو متعارضة، والقرارات الوزارية وقرارات الهيئات تتداخل مع القوانين العامة والخاصة، مما يخلق “فوضى تنظيمية” تُربك المتعاملين سواء كانوا مستثمرين محليين أو أجانب. النتيجة: عدم يقينٍ قانونيٍ يهز الثقة ويبطئ عجلة الاقتصاد.
في السنة المالية ٢٠٢٤/٢٠٢٥، سجلت مصر تدفقات استثمارٍ أجنبيٍ مباشرٍ قياسيةً بلغت حوالي ٤٦٫١ مليار دولار (وفق بيانات البنك المركزي)، مدفوعةً بشكلٍ أساسيٍ بصفقاتٍ كبرى مثل رأس الحكمة. لكن هذه الأرقام تخفي الإمكانيات الحقيقية المفقودة بسبب الثغرات التشريعية. الدراسات الدولية تشير إلى أن عدم اليقين التنظيمي يقلل تدفقات الاستثمار الأجنبي في الأسواق الناشئة بنسبة ١٥-٢٥٪، مما يعني فرصاً استثماريةً مفقودةً بقيمة ٧-١ مليار دولار سنوياً لمصر، وتأثيراً سلبياً يصل إلى ٠٫٥-١٪ من الناتج المحلي الإجمالي في شكل نموٍ مفقود.
تكمن المشكلة الجوهرية في الفجوة بين النص والتطبيق، وفي التداخل الرهيب بين القرارات الوزارية وقرارات الهيئات والقوانين العامة والخاصة واللوائح التنفيذية. كثيراً ما تُصدر التشريعات دون دراسةٍ كافيةٍ للأثر التنظيمي، ودون استشراف الثغرات التي ستظهر عند التطبيق العملي. ثم تأتي اللائحة التنفيذية بعد شهورٍ أو سنوات، فتضيف تعقيداتٍ جديدةً أو تتعارض مع النص الأصلي. والنتيجة: بيئةٌ تشريعيةٌ غير مستقرة، تُربك المتعاملين وتُضعف الثقة.
في فرنسا، يلعب مجلس الدولة (Conseil d’État) دوراً مزدوجاً قوياً: فهو يُقدم استشاراتٍ قانونيةً إلزاميةً قبل إصدار القوانين والمراسيم، مما يقلل بشكلٍ كبيرٍ من احتمال الطعن الناجح لاحقاً. هذا النظام يضمن جودة التشريع منذ البداية ويحقق استقراراً عالياً يدعم جذب الاستثمارات. أما في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، فالمراجعة القضائية تتم عبر محاكم عاديةٍ أو متخصصةٍ مع مبادئ واضحةٍ مثل “المعقولية” و”قانون الإجراءات الإدارية”، مما يوفر تنبؤيةً عاليةً ويقلل من النزاعات، في الصين، رغم سيطرة الدولة، فإن سرعة اتخاذ القرار ووضوح المسارات الإدارية للمستثمرين الاستراتيجيين تعوض جزئياً عن ضعف الاستقلالية، أما تركيا والمغرب، فقد شهدتا إصلاحاتٍ تشريعيةً ملموسة (ميثاق الاستثمار في المغرب، وإصلاحات ما بعد ٢٠١٦ في تركيا) ركزت على تبسيط الإجراءات وتقليل التداخل، مما ساهم في تحسين ترتيبهما في مؤشرات مناخ الأعمال مقارنةً بمصر.
الفارق الجوهري سلبيٌ في الحالة المصرية: غياب آليةٍ منهجيةٍ لـ”المراجعة المسبقة الإلزامية” للتشريعات والقرارات قبل إصدارها، وضعف الفصل الفعال بين دور الاستشارة ودور الفصل في النزاعات، وغياب قاعدة بياناتٍ موحدةٍ ومحدثةٍ للتشريعات واللوائح. أما الجانب الإيجابي في النماذج المقارنة فهو التركيز على جودة إعداد التشريع منذ البداية، لا على إصلاح العوار بعد وقوعه.
لعلاج هذا القصور، يجب اتخاذ خطواتٍ عمليةٍ واضحة:
- إلزامية إجراء دراسة أثر تنظيميٍ شاملة قبل إصدار أي قانونٍ أو قرارٍ وزاريٍ أو لائحة. - تعزيز دور مجلس الدولة الاستشاري بشكلٍ منفصلٍ ومبكر، مع ضمان عدم تضارب الأدوار. - إنشاء منصةٍ وطنيةٍ موحدةٍ للتشريعات واللوائح تكون مرجعاً وحيداً ومحدثاً. - تفعيل آليات المراجعة الدورية للتشريعات القائمة لإزالة التعارضات. - تدريب الكوادر التشريعية على أفضل الممارسات الدولية في صياغة التشريعات.
إن إصلاح جودة التشريع ليس ترفاً قانونياً، بل هو استثمارٌ اقتصاديٌ مباشر. كل ثغرةٍ تُغلق، وكل تعارضٍ يُزال، يعني مزيداً من الثقة، ومزيداً من الاستثمارات، ونمواً أعلى في الناتج المحلي. مصر تمتلك الإرادة والقدرة على تحقيق ذلك، إذا ما انتقلنا من مرحلة “إصلاح ما بعد الوقوع” إلى مرحلة “الوقاية التشريعية الاستباقية”.
في النهاية أؤكد أن عدم الاستقرار التشريعي يكلف مصر ملياراتٍ من الاستثمارات المفقودة سنوياً ويفقد الاقتصاد فرص نموٍ حقيقية والحل بسيط ويبدأ بمراجعةٍ مسبقةٍ إلزامية، ومنصةٍ موحدةٍ للتشريعات، وفصلٍ واضحٍ بين الاستشارة والقضاء ، فجودة القانون اليوم هي ضمانة جذب الاستثمار غداً.