أعاد الإعلامي أحمد موسى فتح ملف الخلفيات التاريخية والسياسية لقضية مياه نهر النيل، مستعرضًا ما قال إنها وثائق بريطانية وأمريكية تتعلق بتحركات دولية استهدفت توظيف ملف المياه في الضغط على الدولة المصرية، بالتزامن مع التوترات التي شهدتها العلاقات المصرية البريطانية عقب تأميم قناة السويس عام 1956.
وأوضح موسى، خلال تقديمه برنامج «على مسئوليتي» المذاع عبر قناة «صدى البلد»، أن الوثائق التي أشار إليها تثير تساؤلات بشأن طبيعة التحركات الدولية تجاه إثيوبيا خلال ستينيات القرن الماضي، ومدى ارتباط المشروعات المائية في حوض النيل بالحسابات السياسية والاستراتيجية للقوى الكبرى آنذاك.
قناة السويس ومياه النيل.. ضغوط سياسية في سياق تاريخي
وأشار موسى إلى أن التحركات البريطانية التي تناولها، وفقًا لعرضه للوثائق، تضمنت توجهات لاستخدام ملف مياه النيل وسيلة للضغط على القاهرة، بهدف دفع مصر إلى إعادة إشراك بريطانيا في إدارة قناة السويس.
وتأتي هذه الرواية في سياق مرحلة تاريخية اتسمت بتوتر العلاقات بين مصر وعدد من القوى الغربية، عقب قرار تأميم قناة السويس عام 1956، وما تبعه من تحولات في موازين النفوذ السياسي والاستراتيجي بالمنطقة.
واعتبر الإعلامي أن الربط بين ملف قناة السويس وقضية مياه النيل يسلط الضوء على أهمية دراسة المصالح السياسية والاقتصادية التي أحاطت بتحركات القوى الدولية في المنطقة، لا سيما أن نهر النيل يمثل ركيزة أساسية للأمن المائي المصري.
وثائق أمريكية من عام 1963 تتحدث عن 33 سدًا في إثيوبيا
وفي سياق حديثه عن الدور الأمريكي، استشهد موسى بوثائق قال إنها تعود إلى عام 1963، وتتعلق بمخطط لإنشاء 33 سدًا في إثيوبيا، معتبرًا أن هذه الخطط تستدعي البحث في أهدافها وانعكاساتها المحتملة على الموارد المائية لدول حوض النيل.
وبحسب ما عرضه الإعلامي، فإن هذه التحركات لم تكن، وفق تفسيره، مرتبطة فقط بتطوير الموارد المائية أو توليد الكهرباء، بل حملت أبعادًا سياسية تتصل بموقع مصر ومصالحها الاستراتيجية.
وأشار إلى أهمية دراسة توقيت إعداد الوثائق والظروف السياسية التي أحاطت بها، في ظل الأهمية الاستراتيجية لحوض النيل واعتماد مصر على مياهه في تلبية جانب رئيسي من احتياجاتها المائية.
ومع ذلك، فإن تحديد طبيعة المخطط المشار إليه ومدى اعتماده رسميًا والأهداف التي وُضع من أجلها يتطلب الرجوع إلى الوثائق الأصلية ومقارنتها بالسجلات التاريخية ذات الصلة، مع التمييز بين الدراسات المقترحة والمشروعات التي دخلت حيز التنفيذ.
أحمد موسى: ملف السدود الإثيوبية يتجاوز توليد الكهرباء
وأكد موسى أن التعامل مع ملف السدود الإثيوبية لا ينبغي، من وجهة نظره، أن يقتصر على الجوانب الفنية المتعلقة بتوليد الكهرباء وإدارة الموارد المائية، بل يجب أن يشمل دراسة الأبعاد السياسية والاستراتيجية المرتبطة بالمشروعات المقامة على منابع النيل.
وأضاف أن إقامة السدود وتشغيلها يؤثران في إدارة الموارد المائية المشتركة، ما يجعل التنسيق بشأن قواعد التشغيل وتبادل البيانات والتعامل مع فترات الجفاف من القضايا المهمة بالنسبة إلى دول الحوض، وفي مقدمتها مصر والسودان.
وربط الإعلامي بين الوثائق التاريخية التي تحدث عنها والتطورات الراهنة المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي، معتبرًا أن استيعاب الخلفيات التاريخية يمكن أن يسهم في فهم جانب من التعقيدات السياسية المحيطة بملف المياه.
لكن وجود خطط تاريخية لإنشاء سدود لا يثبت، بمفرده، أن المشروعات اللاحقة جاءت تنفيذًا لخطة موحدة أو استهدفت غرضًا سياسيًا محددًا، وهو ما يستلزم فحص الأدلة التاريخية ومضمون الوثائق وسياقاتها.
الأمن المائي المصري في قلب قضية نهر النيل
ويحظى ملف مياه النيل بأهمية استراتيجية خاصة بالنسبة إلى مصر، نظرًا لاعتماد قطاعات واسعة من احتياجاتها المنزلية والزراعية والاقتصادية على موارد النهر، ما يجعل تطورات المشروعات المائية في دول المنابع محل متابعة مستمرة.
وترتبط قضية سد النهضة بعدد من الملفات الفنية والقانونية والسياسية، من بينها قواعد الملء والتشغيل، وتبادل المعلومات والبيانات، وإدارة الموارد المائية خلال فترات الجفاف، وضمان مراعاة مصالح دول المصب.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التوصل إلى تفاهمات بين الدول المعنية بشأن إدارة الموارد المائية المشتركة، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي ذات الصلة، ويحقق الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، مع مراعاة احتياجات الدول ومصالحها.
إعادة قراءة الوثائق التاريخية في ضوء التطورات الراهنة
وتعيد تصريحات أحمد موسى طرح التساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي لعبته القوى الدولية في منطقة حوض النيل خلال العقود الماضية، ومدى تأثير الاعتبارات السياسية في الخطط المتعلقة بإدارة المياه وإنشاء السدود.
كما تفتح المجال أمام دراسة العلاقة بين التوترات السياسية التي أعقبت تأميم قناة السويس والتطورات اللاحقة في ملف مياه النيل، مع ضرورة الاستناد إلى المصادر الأصلية للتحقق من الروايات المتعلقة بأهداف التحركات البريطانية والأمريكية.
وبين الخلفيات التاريخية والتحديات الراهنة، تظل قضية مياه النيل من أبرز الملفات الاستراتيجية بالنسبة إلى مصر، بما يستدعي الجمع بين التوثيق التاريخي الدقيق والتقييم الفني للمشروعات المائية والتحرك الدبلوماسي الفاعل، بما يحافظ على المصالح المصرية ويدعم فرص التعاون بين دول حوض النيل.