أقيمت منذ قليل الجلسة الحوارية للمخرج يسري نصر الله، بعنوان «حوار مع يسري نصر الله: سينما الابتكار» (Yousry Nasrallah Masterclass: A Cinema of Reinvention)، ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بحضور الفنانة يسرا، والكاتبة الصحفية والناقدة الفنية علا الشافعي، رئيس مجلس إدارة «اليوم السابع»، وعدد من الفنانين وصناع السينما والإعلام، فيما أدار اللقاء الصحفي علي الكشوطي، رئيس قسم الفن باليوم السابع.
وخلال اللقاء، اصطحب يسري نصر الله الحضور في رحلة إلى عالمه السينمائي، مستعيدًا محطات من مسيرته الفنية وكواليس عدد من أفلامه، وكاشفًا عن فلسفته في بناء الشخصيات والتعامل مع الممثلين، ورؤيته لمستقبل صناعة الأفلام، وصولًا إلى مشروعه السينمائي الجديد «أنت منين»، الذي يخطط لتصوير أجزاء كبيرة منه باستخدام كاميرات الهواتف المحمولة.
هند صبري بدلًا من منى زكي في «جنينة الأسماك»
بدأ نصر الله حديثه عن كواليس اختياراته الفنية، كاشفًا أسباب إسناد إحدى الشخصيات الرئيسية في فيلم «جنينة الأسماك» إلى الفنانة هند صبري، بعدما كانت الفنانة منى زكي مرشحة للدور في البداية.
وأوضح أنه كان معجبًا بموهبة منى زكي، لكنه تصور الشخصية باعتبارها امرأة تعرضت للقمع أو تحمل آثاره النفسية، في حين لم تشعر الفنانة بأن الشخصية أو الفيلم يناسبانها، وهو ما دفعه إلى إعادة التفكير في اختياره.
وأشار إلى أن انتقال الدور إلى هند صبري لم يكن مجرد استبدال ممثلة بأخرى، بل فتح أمامه مساحة مختلفة في فهم الشخصية وتقديمها، موضحًا أن بناء الدور لا يتوقف عند السيناريو، وإنما يمتد إلى تفاصيل الملابس وتسريحة الشعر والمكياج وحركة الجسد، بما يساعد الممثل على التعبير عن الحالة النفسية للشخصية.
«أنت منين».. تجربة سينمائية بكاميرات الموبايل
ومن كواليس أفلامه السابقة إلى مشروعاته المقبلة، كشف يسري نصر الله عن تفاصيل فيلمه الجديد «أنت منين»، موضحًا أنه يخطط لتصوير أجزاء كبيرة منه باستخدام كاميرات الهواتف المحمولة، في تجربة يسعى من خلالها إلى استكشاف إمكانات جديدة في صناعة السينما.
وأكد أن الهواتف المحمولة يمكن أن تقدم نتائج سينمائية مختلفة إذا جرى توظيفها لخدمة الحكاية والرؤية الفنية، مشيرًا إلى أن تنفيذ مثل هذه الأفكار قد يواجه تحديات تتعلق بمدى استعداد بعض المصورين للعمل بعيدًا عن معدات التصوير التقليدية.
وشدد على أهمية تمسك المخرج برؤيته الفنية والبحث عن فريق عمل يؤمن بفكرته، معتبرًا أن اختلاف الإمكانات الإنتاجية لا ينبغي أن يمنع صناع الأفلام من الابتكار وتجربة أساليب جديدة.
كما أكد أن طموحه لا يقتصر على الوصول إلى الجمهور المصري والعربي، بل يمتد إلى تقديم حكايات قادرة على التواصل مع المشاهدين في مختلف أنحاء العالم.
شخصيات ترفض التهميش وتبحث عن مكانها في الحياة
وتوقف المخرج عند إحدى الثيمات الأساسية التي تتكرر في أفلامه، وهي الشخصيات التي تعاني التهميش، لكنها ترفض الاستسلام له، وتسعى إلى إثبات وجودها وإيجاد مكان لها في الحياة.
وأوضح أن هذه الشخصيات تخوض صراعًا من أجل امتلاك حضور حقيقي، والقدرة على الحب والتواصل مع الآخرين، وهو ما يمنح حكاياته بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الأحداث الظاهرة على الشاشة.
وعن بداية أفكاره السينمائية، أشار إلى أنه لا يشترط أن يبدأ كتابة السيناريو بحكاية مكتملة، فقد تنطلق الفكرة من مشهد واحد أو اثنين أو ثلاثة يشعر برغبة ملحة في تصويرها، ثم يبدأ في بناء بقية الأحداث والشخصيات حولها.
وضرب مثالًا بفيلم «إحكي يا شهرزاد»، الذي كتبه السيناريست الراحل وحيد حامد، موضحًا أن مشهد الفتيات الثلاث اللاتي يسبحن في مياه أبو قير وهن يرتدين جلابياتهن كان من اللحظات التي جذبته بشدة إلى الفيلم، لما حمله من إحساس بالبهجة والحرية والاستمتاع بالجسد والمكان.
وأشار إلى أن التحدي كان في إيجاد الصلة بين هذا المشهد وبقية حكايات الفيلم، حتى يصبح جزءًا عضويًا من العمل، وليس مجرد لحظة جميلة منفصلة عن سياق الأحداث.
الملابس والحركة.. مفاتيح فهم الشخصيات
وانتقل نصر الله إلى الحديث عن علاقته بالممثلين، موضحًا أن تفاصيل تبدو بسيطة، مثل الملابس، يمكن أن تساعد في الكشف عن ملامح الشخصية وتوصيل تصور المخرج عنها.
واستعاد كواليس التحضير لأحد مشاهد فيلم «إحكي يا شهرزاد» مع الفنانة منى زكي، مشيرًا إلى أن النقاش حول الملابس ساعد على توصيل رؤيته للشخصية، التي لم يكن يريد تقديمها باعتبارها فتاة بسيطة أو محبوبة فحسب، وإنما كامرأة مكتملة الأنوثة.
كما تحدث عن أحد المشاهد التي جمعت منى زكي بالفنان حسن الرداد، موضحًا أن الصراع بين الشخصيتين لم يعتمد على العنف الجسدي المباشر وحده، بل على حركة كل منهما ومحاولاتهما فرض السيطرة على الآخر، في مشهد يشبه الرقصة التي تتداخل فيها الحركة مع التوتر.
وأكد أن لكل ممثل طريقته الخاصة في التحضير للدور؛ فهناك من يحتاج إلى مناقشات مطولة حول دوافع الشخصية وخلفياتها النفسية، بينما يفضل آخرون توجيهات محددة قبل التصوير. وشدد على أهمية منح الممثل مساحة من الحرية أثناء الأداء، حتى لا تؤثر كثرة المقاطعات في اندماجه مع اللحظة الدرامية.
أربع سنوات في بيروت أعادت تشكيل رؤيته للسينما
واستعاد يسري نصر الله بدايات شغفه بالإخراج، موضحًا أنه أدرك منذ طفولته رغبته في أن يصبح مخرجًا، بعدما تساءل عن الشخص المسؤول عن صناعة الأفلام بعيدًا عن الممثلين. ورغم هذا الشغف المبكر، لم يقدم فيلمه الأول إلا بعد تجاوز الثلاثين من عمره، لإيمانه بأن صناعة السينما تحتاج إلى تجارب حياتية تتجاوز المعرفة التقنية.
وأشار إلى أن تجربته في دراسة السينما لم تكن كافية لتشكيل رؤيته الفنية، إذ لم يكن مقتنعًا باختزال صناعة الأفلام في مجرد تقديم لقطات جيدة من الناحية الفنية، مؤكدًا أن قيمة اللقطة ترتبط بعلاقتها بالحكاية والمشاعر والتجربة الإنسانية.
وكشف أن السنوات الأربع التي قضاها في بيروت كانت من أكثر المحطات تأثيرًا في حياته، بعدما عاش بعيدًا عن بيئته الاجتماعية والثقافية المألوفة، وهو ما دفعه إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم التي اعتبرها من قبل ثوابت.
وأوضح أن هذه التجربة عززت اهتمامه بفكرة المكان والانتماء واحتمالات فقدان المساحة التي يشعر الإنسان بأنها تخصه، وهي موضوعات انعكست على عدد من أفلامه، التي تهتم بعلاقة الشخصيات بالأماكن التي تعيش فيها ومحاولاتها استعادة الشعور بالأمان والانتماء.
يسري نصر الله: الحكايات الإنسانية تتجاوز القوالب التقليدية
وفي ختام حديثه عن فلسفته السينمائية، أكد نصر الله رغبته في تقديم حكايات قادرة على التواصل مع جمهور من ثقافات وخلفيات مختلفة، دون حصر السينما في قواعد جامدة تحدد مسبقًا ما يمكن أن يشاهده أفراد الأسرة أو ما يتوافق مع مفهوم ثابت للأخلاق.
وأشار إلى أن مفهوم العائلة نفسه يتغير من زمن إلى آخر، وهو ما يجعل وضع تعريف واحد ونهائي لما يناسب جميع الأسر أمرًا صعبًا، مشددًا على ضرورة أن تنطلق الحكايات السينمائية من فهم الواقع وتحولاته، بدلًا من اختزال التجارب الإنسانية في قوالب تقليدية.
وتعكس الجلسة ملامح تجربة يسري نصر الله ورؤيته لصناعة الأفلام، التي تقوم على حرية التجريب، والانطلاق من التفاصيل الإنسانية، والتفاعل مع الممثلين، والبحث عن وسائل جديدة للتصوير والسرد، مع منح الشخصيات المهمشة مساحة للتعبير عن نفسها وإثبات وجودها.
وتتواصل فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي خلال الفترة من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، بمشاركة مجموعة من الأفلام وصناع السينما من مصر ومختلف أنحاء العالم، إلى جانب الجلسات الحوارية واللقاءات التي تناقش تجارب الفن السابع وتحولاته الإبداعية.