مع انطلاق فعاليات اليوم الثاني من منتدى مصر 2026 اليوم، والذي يناقش قضايا الأمن الغذائي وتطوير منظومة الحماية الاجتماعية، يبرز ملف إعادة هيكلة منظومة الدعم كأحد أهم الملفات المطروحة على طاولة الحوار، خاصة في ظل توجه الدولة لدراسة التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي.
إجماع وطني على ضرورة إعادة هيكلة منظومة الدعم
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، أن منظومة الدعم الحالية تحتاج بالفعل إلى إعادة هيكلة، وهو أمر متفق عليه، موضحا أن توصيات الحوار الوطني، سواء في لجانه العامة أو المتخصصة أو شديدة التخصص، قدمت جميعها حزمة من التوصيات لإعادة هيكلة المنظومة حتى تؤدي وظيفتها الحقيقية، واللافت للنظر أن أغلب هذه التوصيات صدرت بالإجماع، وهو ما لم يكن معتادا، حيث كانت أي توصية لا تحظى بالإجماع يشار إلى أنها لم تحز الموافقة الكاملة، أما في ملف الدعم فقد رفعت التوصيات من مجلس أمناء الحوار الوطني بالإجماع، وهو ما يؤكد أن إعادة الهيكلة أمر مفروغ منه.
التحول للدعم النقدي لوقف هدر السلع التموينية
وفيما يتعلق بربط قيمة الدعم بمؤشر حقيقي للأسعار، أوضح "عبد المطلب"، أن التحول إلى الدعم النقدي يعد أحد أهم آليات تطوير وإعادة هيكلة منظومة الدعم، مشيرا إلى أن الدعم النقدي سيؤدي إلى وقف الهدر الموجود في منظومة السلع التموينية، حيث تلجأ الحكومة إلى موردين لتوريد السلع الأساسية بأقل الأسعار، ومن المعروف أنه من الصعب الحصول على سلع ذات جودة عالية بأسعار منخفضة، وهو ما تثور حوله الكثير من الشكوك.
وأضاف أن الدعم النقدي سيمنح المواطن فرصة الحصول على احتياجاته من السلع التي يفضلها والتي تشبع رغباته بالفعل، موضحا أنه رغم أن الدعم كان موجها في الأساس للطبقات الفقيرة والأكثر فقرا والمعدمة، كان هناك اعتقاد راسخ لدى مقدمي الدعم بأن الفقير سيأخذ ما يقدم إليه ويشكر الحكومة، إلا أنه مع تطور الأحداث أصبح حتى المواطن المعدم يبحث عن السلع التي تلبي احتياجاته الحقيقية ولا يأخذ سلعا ليلقيها، كما كان يحدث سابقا عندما كان يحصل على الخبز فيأكل جزءا منه ويلقي بالباقي للطيور أو في القمامة، وهو ما خلق تجارة بمليارات الجنيهات من بقايا الخبز، وهو ما يعد تسربا واضحا للدعم الملقى على الأرض، ومن هنا فإن الدعم النقدي سيحل مشكلة تسرب الدعم.
هل يسبب الدعم النقدي موجة تضخمية؟
وحول ما إذا كان التحول للدعم النقدي قد يسبب موجة تضخمية، أكد عبد المطلب أنه لا يعتقد ذلك، بل على العكس قد يقلل التضخم، موضحا أن التضخم يتعلق بكمية النقود المتداولة مقابل السلع والخدمات في الدولة، وأن الدعم النقدي هو مجرد نقل للمصروف من يد الدولة إلى يد الأفراد، وقد يكون الأفراد أكثر حرصا على الادخار وترشيد الاستهلاك.
وأوضح أن الدولة ملتزمة بإنتاج مليار رغيف يوميا مثلا سواء استهلكه المواطنون أم لا، وتستورد كميات محددة من السكر قد يتلف جزء منها، بينما سيكون المواطن أكثر رشدا في استخدام موارد الدعم لأنه سيشعر بأنها أمواله الخاصة، وبالتالي سينظم احتياجاته ولا يشتري ما لا يحتاجه، ومن ثم قد يكون إجمالي الإنفاق على الدعم النقدي عند توجيهه للأفراد أقل مما كانت تتحمله الدولة.
ضوابط استقرار الأسواق قبل التطبيق
واختتم "عبد المطلب"، بأن ارتفاع الأسعار لا علاقة له بملف الدعم على الإطلاق، وإنما يرتبط بظروف أخرى، منها استيراد جزء كبير من الاحتياجات الغذائية مثل القمح والزيوت ومستلزمات إنتاج الدواجن واللحوم ومنتجات الألبان كالأعلاف، وأي زيادة في أسعارها عالميا تؤثر على السوق المحلي، مستبعدا أن يؤدي الدعم النقدي إلى زيادة الطلب وارتفاع الأسعار، لأنه ببساطة نقل لمصروف من الحكومة إلى المواطن، والمواطن قد يكون أكثر رشدا في استخدام موارده.
واختتم عبد المطلب تصريحاته بالتأكيد على أن التحول للدعم النقدي لن يكون سببا في إشعال موجة تضخمية جديدة، بل قد يسهم في تقليلها من خلال ترشيد استهلاك المواطن وحسن إدارة موارده مقارنة بهدر المنظومة الحالية، مشيرا إلى أن ارتفاع الأسعار مرتبط بعوامل أخرى تتعلق بالاستيراد وأسعار السلع عالميا، وليس بآلية الدعم نفسها، وهي الرؤية التي تتسق مع أهداف جلسات منتدى مصر 2026 في الانتقال من عرض السياسات إلى تقييم أثرها، وصياغة توصيات عملية تضمن تحقيق الأمن الغذائي وحماية الفئات الأولى بالرعاية وضمان عدالة التوزيع.