تتجه الحكومة المصرية خلال الفترة الأخيرة إلى إعادة النظر في منظومة الدعم التقليدية، وسط نقاشات موسعة حول التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، في خطوة تعتبر من أكبر التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تشهدها البلاد خلال السنوات المقبلة.
ويأتي هذا التوجه في ظل سعي الدولة إلى تقليل أعباء الموازنة العامة وتحسين كفاءة توزيع الدعم، مع ضمان وصوله إلى الفئات الأكثر احتياجًا بدلًا من إهدار جزء كبير منه داخل حلقات التداول والأسواق غير الرسمية.
وفي ضوء ذلك أكد الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، أن ملف الدعم ليس وليد السنوات الأخيرة، بل يمتد لعقود طويلة بدأت منذ عام 1941، عندما شرعت الدولة في تقديم سلع أساسية للمواطنين بأسعار مدعومة لمواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة آنذاك.
وأوضح أن منظومة الدعم مرت بمراحل عديدة من التطوير والتقليص، حيث كانت الدولة في فترات سابقة تدعم ما يقرب من 20 سلعة غذائية واستهلاكية، قبل أن يتراجع العدد تدريجيًا مع تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي وترشيد الإنفاق الحكومي.
وأشار إلى أن الدعم اقتصر حاليًا على عدد محدود من السلع الأساسية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين يوميًا، وعلى رأسها الخبز والزيت والسكر والمكرونة، كما تعتمد المنظومة الحالية على بطاقات التموين الذكية، التي تتيح للمواطنين الحصول على الخبز المدعم يوميًا، بالإضافة إلى صرف مجموعة من السلع التموينية بأسعار تقل بشكل واضح عن مثيلاتها في الأسواق الحرة.
وبحسب النظام المعمول به، يحصل الفرد المقيد على البطاقة التموينية على خمسة أرغفة خبز يوميًا، إلى جانب إمكانية شراء سلع تموينية مدعومة ضمن الحصة المقررة لكل أسرة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الفارق الكبير بين أسعار السلع المدعومة والأسعار التجارية يؤدي أحيانًا إلى حدوث تلاعب أو تسريب لبعض المنتجات، ما يفتح الباب أمام انتشار السوق السوداء وتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب الدعم الحكومي.
خلال جلسات الحوار الوطني التي شهدتها مصر مؤخرًا، عاد ملف الدعم النقدي إلى الواجهة باعتباره أحد الحلول المقترحة لتطوير منظومة الحماية الاجتماعية.
وأشار الدكتور محمد فؤاد إلى أن التحول إلى الدعم النقدي قد يحقق العديد من المزايا الاقتصادية، أبرزها منح المواطن حرية اختيار احتياجاته الأساسية دون التقيد بقائمة محددة من السلع.
وتابع، يسهم الدعم النقدي في تقليل الفاقد والهدر الناتج عن تداول السلع المدعومة، بالإضافة إلى الحد من عمليات الاحتكار وإعادة بيع المنتجات المدعومة داخل السوق السوداء.
ويرى متخصصون أن التحول إلى الدعم النقدي قد يساعد أيضًا في خلق سوق أكثر تنافسية، خاصة مع اختفاء الفجوة السعرية الكبيرة بين السلع المدعومة ونظيرتها في الأسواق.
رغم المزايا العديدة التي يتحدث عنها الخبراء، فإن تطبيق الدعم النقدي يواجه عدة تحديات معقدة، في مقدمتها كيفية تحديد المستحقين الحقيقيين للدعم.
وأوضح فؤاد، أن نجاح التجربة يعتمد بشكل أساسي على امتلاك قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة تشمل مستويات الدخل ونسب الفقر وعدد أفراد الأسرة، حتى لا يتم استبعاد مستحقين أو إدراج غير المستحقين.
وأضاف أن الحكومة لم تحسم حتى الآن الشكل النهائي لتطبيق الدعم النقدي، سواء من خلال تحويل مبالغ مالية مباشرة للمواطنين أو استمرار استخدام بطاقات التموين بصورة مختلفة.
أكد الخبير الاقتصادي أن أي تطبيق ناجح للدعم النقدي يجب أن يكون مرتبطًا بشكل مباشر بمعدلات التضخم وارتفاع الأسعار، موضحا أن ثبات قيمة الدعم النقدي مع استمرار زيادة أسعار السلع والخدمات قد يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للمواطنين بمرور الوقت، وهو ما يفقد الدعم هدفه الأساسي في حماية الفئات الأقل دخلًا.
لذلك يرى خبراء الاقتصاد أن ربط الدعم النقدي بمؤشرات التضخم السنوية أصبح أمرًا ضروريًا للحفاظ على العدالة الاجتماعية وضمان استمرار استفادة المواطنين من الدعم بصورة فعالة.
كشف "فؤاد" أن نسبة الدعم داخل الموازنة العامة للدولة شهدت انخفاضًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، حيث تراجعت من نحو 20% في عام 2015 إلى قرابة 10% فقط في الموازنة الجديدة، ويعكس هذا التراجع توجه الدولة نحو ترشيد الإنفاق وتقليل الأعباء المالية، بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات اقتصادية تستهدف إعادة توجيه الموارد بشكل أكثر كفاءة.