يشهد سوق النفط حالة من التقلبات نتيجة التوترات الجيوسياسية، وحذّر الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، من استمرار التقلبات الحادة في أسواق الطاقة العالمية، مع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط واضطراب حركة ناقلات النفط والغاز عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، مؤكدًا أن تراجع الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين يضعان الأسواق أمام تحديات متزايدة.
وأوضح عبد الهادي أن تداعيات الحرب تجاوزت أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي، لتطال حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، في ظل تضرر بعض منشآت الطاقة ومحدودية مسارات التصدير البديلة وتراجع المخزونات العالمية.
وأشار إلى أن التوقعات التي أوردها بشأن أسواق الطاقة ترجح وصول متوسط سعر خام برنت إلى نحو 105 دولارات للبرميل خلال الربع الأخير من عام 2026، بزيادة 14 دولارًا عن التقديرات السابقة، نتيجة استمرار القيود على تدفقات النفط من الشرق الأوسط.
النفط يلامس 114 دولارًا وسط مخاوف نقص الإمدادات
وقال الخبير الاقتصادي إن أسواق النفط شهدت ارتفاعات ملحوظة خلال الأشهر الماضية، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من تعطل الإنتاج والصادرات نتيجة الهجمات التي استهدفت منشآت طاقة وناقلات نفط.
وأوضح أن متوسط سعر خام برنت بلغ نحو 114 دولارًا للبرميل خلال سبتمبر 2026، بزيادة 23 دولارًا مقارنة بأغسطس، فيما وصل إلى 131 دولارًا خلال جلسة 15 سبتمبر، وسط مخاوف بشأن تعطل صادرات النفط السعودية عقب استهداف خط الأنابيب الرابط بين شرق المملكة وغربها.
وأضاف أن متوسط إنتاج النفط المتوقف في الشرق الأوسط بلغ نحو 4.8 مليون برميل يوميًا خلال سبتمبر، مقابل 5.8 مليون برميل يوميًا خلال أغسطس، بعدما وصلت الكميات المتوقفة إلى ذروتها عند 10.9 مليون برميل يوميًا في مايو.
وأشار إلى أن خام برنت أنهى تعاملات الجمعة 9 أكتوبر عند نحو 104.72 دولار للبرميل، مقابل 91.85 دولار لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي، لافتًا إلى أن استمرار ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ومحدودية طرق النقل البديلة يعرقل عودة الاستقرار إلى الأسواق.
مضيق هرمز.. شريان رئيسي لتجارة الطاقة العالمية
وأكد عبد الهادي أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة، موضحًا أن نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات البترولية عبرت المضيق خلال عام 2025، بما يعادل قرابة 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، وفقًا للأرقام التي أشار إليها.
وأضاف أن شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة للمضيق تجاوزت 110 مليارات متر مكعب، بما يمثل نحو خُمس التجارة العالمية للغاز المسال، مشيرًا إلى أن استمرار اضطراب الملاحة يهدد تدفقات الإمدادات، خاصة مع محدودية البدائل المتاحة لنقل الكميات نفسها.
وأوضح أن نحو 80% من النفط والمنتجات البترولية التي عبرت المضيق خلال 2025 اتجهت إلى الأسواق الآسيوية، فيما استحوذت آسيا على نحو 90% من صادرات الغاز المسال العابرة له، ما يعكس أهمية الممر بالنسبة إلى اقتصادات الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
خطوط الأنابيب لا تعوض كامل صادرات الخليج
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن السعودية والإمارات تمتلكان خطوط أنابيب تتيح تجاوز مضيق هرمز، إلا أن الطاقة المتاحة لإعادة توجيه صادرات النفط عبر هذه المسارات، وفق تقديراته، تتراوح بين 3.5 و5.5 مليون برميل يوميًا، وهي أقل من إجمالي الكميات التي كانت تعبر المضيق قبل الحرب.
وأضاف أن البدائل المتاحة لنقل الغاز الطبيعي المسال أكثر محدودية، في ظل اعتماد صادرات قطر والإمارات على الناقلات البحرية، وعدم توافر مسارات بديلة قادرة على استيعاب الكميات نفسها.
وأشار إلى أن المخاطر الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب تزيد من تعقيد حركة التجارة، مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطرار بعض السفن إلى تغيير مساراتها، ما يرفع تكلفة وصول النفط والغاز إلى الدول المستوردة.
اضطرابات الغاز المسال تعيد رسم خريطة الإمدادات
وأوضح عبد الهادي أن أزمة الطاقة امتدت إلى سوق الغاز الطبيعي المسال، مع تراجع الصادرات الخليجية وتضرر بعض منشآت الإنتاج والتسييل.
وأشار إلى أن صادرات الغاز المسال من قطر والإمارات انخفضت بنحو 35 مليار متر مكعب خلال الفترة من مارس إلى يونيو 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في حين ارتفع إنتاج الغاز المسال خارج منطقة الخليج بنحو 18%، بما يعادل 27 مليار متر مكعب خلال الفترة ذاتها.
وأضاف أن الزيادة في الإنتاج خارج الخليج ساهمت في تعويض جانب كبير من النقص، بينما أشارت تقديرات صادرة في يوليو إلى احتمال انخفاض صادرات الغاز المسال من قطر والإمارات بنحو 45% خلال عام 2026، بما يعادل 54 مليار متر مكعب.
ولفت إلى أن خسائر إمدادات الغاز المسال التراكمية الناتجة عن الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية قد تصل إلى 140 مليار متر مكعب خلال الفترة من 2026 إلى 2030، وفقًا للتقديرات التي استند إليها.
مستقبل أسعار الطاقة مرهون بأمن الملاحة
وأكد الخبير الاقتصادي أن استقرار أسعار النفط والغاز خلال المرحلة المقبلة يرتبط بقدرة الدول المنتجة على استعادة مستويات الإنتاج، وتأمين حركة الناقلات، وإصلاح المنشآت المتضررة.
وأوضح أن زيادة الإنتاج خارج مناطق الصراع يمكن أن تعوض جزءًا من نقص الإمدادات، لكنها لا تلغي أهمية النفط والغاز الخليجيين في السوق العالمية.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر سيبقي أسواق الطاقة عرضة للتقلبات، في ظل ارتباط تدفقات الإمدادات بالتطورات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.