لم تعد القاهرة تبحث عن أسواق تقليدية، بل عن بوابة آسيوية عملاقة، في وقت تحصد فيه مصر ثمار عقد كامل من الإصلاحات الاقتصادية، انطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي نحو ثلاث قوى اقتصادية ضاربة في آسيا.. إندونيسيا وكوريا الجنوبية وماليزيا، حاملا استراتيجية جديدة: تحويل فاتورة الاستيراد الضخمة إلى مصانع وشراكات إنتاجية على أرض قناة السويس.
إندونيسيا تتصدر بـ 1.6 مليار دولار
قفز التبادل مع إندونيسيا إلى 1.6 مليار دولار في 8 أشهر، مقابل 1.4 مليار العام الماضي، وسجلت الواردات نحو 1.5 مليار (زيت نخيل وشاي وقهوة)، والصادرات 66 مليون فقط (أسمدة وفواكه).
كوريا الجنوبية.. 640 مليون دولار
بلغ التبادل مع سيول 640.3 مليون دولار في 6 أشهر، وسجلت الواردات 595.7 مليون (سيارات ومعدات ومكونات الضبعة)، والصادرات 44.6 مليون (حديد وصلب وأعلاف).
ماليزيا.. قفزة تصديرية 13.3%
سجل التبادل مع ماليزيا 495 مليون دولار، وارتفعت الصادرات المصرية 13.3% لتسجل 68 مليون (فواكه وخضروات)، والواردات 427 مليون (زيوت ومطاط وكاكاو).
الهدف.. من الاستيراد للتصنيع
تستهدف القاهرة تحويل العلاقات لشراكات إنتاجية بنقل مصانع الشركات الآسيوية لمنطقة قناة السويس، للاستفادة من موقع مصر كبوابة لأوروبا وأفريقيا وتوطين التكنولوجيا.
من «التجارة» إلى «التصنيع المشترك»
وفي هذا السياق، صرح الدكتور أيمن غنيم، أستاذ الإدارة والخبير الاقتصادي والقانوني، بأن الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي يجب تقييمها من زاوية تتجاوز أرقام التجارة الحالية، لأن القيمة الاستراتيجية الحقيقية تكمن في تحويل العلاقات مع الاقتصادات الآسيوية الكبرى من نموذج يقوم على الاستيراد والتصدير فقط إلى نموذج يقوم على الاستثمار المشترك، وتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، والإنتاج من مصر للأسواق العالمية.
وأضاف "غنيم"، في تصريحات خاصة لـ"صوت"، أن الرئيس السيسي عبر بوضوح خلال جولته عن هذه الفلسفة، خصوصا في اجتماعاته المباشرة مع رؤساء الشركات والمستثمرين، حيث لم تقتصر الرسالة المصرية على «تعالوا وصنعوا في مصر».
وأوضح أستاذ الإدارة والخبير الاقتصادي، أن الحالة الإندونيسية تكشف حجم الفرصة والتحدي في الوقت نفسه؛ فقد بلغ حجم التجارة بين مصر وإندونيسيا نحو ١.٦ مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من ٢٠٢٦، مقابل نحو ١.٤ مليار دولار في الفترة نفسها من ٢٠٢٥، أي أن العلاقة التجارية تنمو بالفعل، لكن هيكلها ما زال يميل بصورة واضحة لصالح الواردات.
وتابع "غنيم"، أن الصادرات المصرية إلى إندونيسيا بلغت نحو ٦٦ مليون دولار في الأشهر الثمانية الأولى من ٢٠٢٦، مقابل واردات تقترب من ١.٥ مليار دولار، وتتركز الواردات بصورة كبيرة في الزيوت والدهون النباتية والحيوانية التي بلغت وحدها نحو ١.١ مليار دولار، إلى جانب القهوة والتوابل والآلات الكهربائية والسيارات ومكوناتها.
وأشار الخبير الأقتصادي، إلى أن علاج هذه الفجوة لا يكون بمنع الواردات التي يحتاجها السوق أو الصناعة، وإنما بالعمل في اتجاهين متوازيين: زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الإندونيسية، وتشجيع الشركات الإندونيسية التي تصدر بكميات كبيرة إلى مصر على إقامة خطوط إنتاج محلية، فإذا كانت هناك سلعة لها سوق مصري مستقر بمئات الملايين من الدولارات سنويا، فهذه في حد ذاتها دراسة جدوى أولية لجذب منتجها للاستثمار داخل مصر.
وأضاف "غنيم"، أن الوصول بالتجارة المصرية الإندونيسية إلى مستوى ٥ مليارات دولار بحلول ٢٠٣٠ يمكن اعتباره هدفا طموحا قابلا للتحقق إذا انتقلت العلاقة إلى مرحلة مختلفة؛ فالتجارة وفق بيانات الجانب الإندونيسي بلغت نحو ٢.٣٨ مليار دولار في ٢٠٢٥، وبالتالي فإن الوصول إلى خمسة مليارات يحتاج نموا قويا ومستمرا، لكنه ليس رقما مستحيلا بالنسبة لاقتصادين كبيرين إذا دخل الاستثمار والتصنيع في المعادلة.
وأوضح الدكتور غنيم، أن الأهم من بلوغ رقم خمسة مليارات هو تركيبة هذه التجارة؛ لأن مضاعفة الواردات المصرية وحدها لا تحقق الهدف الاقتصادي المطلوب، فالنجاح الحقيقي هو أن تنمو الصادرات المصرية بوتيرة أسرع، وأن تتحول بعض السلع المستوردة إلى إنتاج مشترك داخل مصر، بحيث ينمو إجمالي التجارة مع تحسن نسبي في الميزان التجاري.
وتابع "غنيم"، أن هناك بالفعل مساحة عملية للتحرك مع إندونيسيا؛ فقد ناقش الجانبان خلال ٢٠٢٦ بدء مفاوضات لاتفاق تجارة تفضيلية وصولا إلى اتفاق تجارة حرة، إلى جانب مقترحات لإنشاء مشروعات مشتركة في الملابس الجاهزة وتعزيز تجارة المنتجات الزراعية، وتعد هذه الآليات يمكن أن تخفض الحواجز أمام الصادرات المصرية وتمنح المنتج المصري نفاذا أفضل إلى أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا.
وأشار الخبير الأقتصادي والقانوني، إلى أن الصورة نفسها تظهر بدرجات مختلفة مع كوريا الجنوبية وماليزيا؛ فالواردات المصرية من كوريا بلغت نحو ٥٩٥.٧ مليون دولار في النصف الأول من ٢٠٢٦ مقابل صادرات مصرية تقترب من ٤٤.٦ مليون دولار، وهو ما يعكس فجوة كبيرة، لكنها أيضا تعني أن هناك طلبا مصريا مثبتا على المنتجات والتكنولوجيا الكورية يمكن تحويل جزء منه إلى تصنيع محلي.
وأضاف "غنيم"، أن الرئيس السيسي تعامل مع هذه النقطة بأسلوب عملي خلال زيارته إلى سول، حين اجتمع مباشرة مع رؤساء ٢٣ من كبريات الشركات الكورية، وعرض عليهم الأراضي الصناعية والبنية الأساسية والنافذة الواحدة وضمانات تحويل الأرباح والتمويل التنافسي وتدريب العمالة، مع دعوة صريحة لإنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وأوضح أيمن غنيم، أن هذه الدعوة يمكن أن تكون نقطة تحول حقيقية، لأن المنطقة الصناعية المتكاملة تختلف جذريا عن جذب مصنع واحد؛ فهي تسمح بدخول المصنع الكبير ومعه شبكة الموردين ومصنعي المكونات والخدمات الهندسية واللوجستية، وبهذه الطريقة تصبح مصر جزءا من سلسلة القيمة الكورية نفسها بدلا من أن تظل مجرد مشترى للمنتج النهائي.
وتابع الخبير الأقتصادي، أن الضمانات التي تحتاجها الشركات الكورية واضحة: استقرار السياسات، وسرعة تخصيص الأراضي والتراخيص، وإتاحة النقد الأجنبي وتحويل الأرباح، وتوافر الطاقة، وموانئ فعالة، وحماية قانونية للاستثمار، وعمالة مدربة، وموردون محليون قادرون على الالتزام بالمواصفات، وقد ركز الرئيس السيسي على هذه العناصر بصورة مباشرة أمام الشركات، وهو الأسلوب الصحيح لجذب الاستثمار الصناعي طويل الأجل.
وأشار "غنيم"، إلى أن رفع العلاقات المصرية الكورية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية وإطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة CEPA يعطيان بعدا مؤسسيا لهذه الرؤية، خصوصا مع الاتفاق على توسيع التعاون في بناء السفن والسيارات الكهربائية والطاقة والبنية الأساسية والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية وتوطين الصناعة.
وشدد الخبير الأقتصادي والقانوني، على أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل العنصر الذي يمكن أن يربط الدول الثلاث بالجغرافيا الاقتصادية المصرية؛ فالشركة الآسيوية التي تنتج في السخنة أو شرق بورسعيد لا تنتج لسوق يفوق مائة مليون مستهلك فقط، وإنما تستطيع النفاذ من مصر إلى أسواق عربية وأفريقية وأوروبية واسعة من خلال شبكة اتفاقيات التجارة الحرة والموانئ والموقع على أحد أهم مسارات التجارة العالمية.
ونوه إلى أن ماليزيا تقدم فرصة مختلفة؛ فقد بلغت التجارة معها نحو ٤٩٥ مليون دولار في الأشهر الثمانية الأولى من ٢٠٢٦، وارتفعت الصادرات المصرية ١٣.٣٪ إلى ٦٨ مليون دولار، بينما تراجعت الواردات إلى نحو ٤٢٧ مليون دولار. وهذا التحسن في الصادرات إيجابي، لكنه ما زال يحتاج إلى توسيع قاعدة المنتجات المصرية المباعة في السوق الماليزية.
وأردف أن صادرات مصر إلى ماليزيا تشمل بالفعل الخضر والفاكهة بنحو ٢٣ مليون دولار، إلى جانب مواد البناء والسجاد والألومنيوم والملابس، وتظل الزراعة نقطة قوة مهمة لمصر، خاصة مع قدرتها على توفير منتجات في مواسم مختلفة وارتفاع جودة الحاصلات، لكن الرهان على المنتجات الزراعية الأولية وحدها لن يكون كافيا لاختراق الأسواق الآسيوية على نطاق كبير.
ولفت الخبير الأقتصادي، إلى أن المطلوب هو الانتقال من تصدير البرتقال أو الخضراوات في صورتها الأولية إلى الأغذية المصنعة والمجمدة والمجففة والعصائر والمركزات والزيوت والمنتجات ذات العلامة التجارية المصرية، فكل مرحلة تصنيع إضافية ترفع قيمة الصادرات، وتحسن هامش الربح، وتخلق فرص عمل داخل مصر وتقلل أثر تكلفة النقل على القدرة التنافسية.
وأوضح أن التحدي الأكبر يتمثل في إضافة منتجات صناعية وتكنولوجية إلى سلة الصادرات المصرية، مثل مكونات السيارات والأجهزة الكهربائية والكيماويات والدواء والملابس عالية الجودة والمنتجات الهندسية، وهذا يتسق مع الاستراتيجية الصناعية المصرية الجديدة التي تستهدف رفع الصادرات غير البترولية إلى ١٠٠ مليار دولار بحلول ٢٠٣٠ من خلال توطين الصناعات وزيادة المكون المحلي والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وقال إن العلاقات التجارية غير المتوازنة ليست بالضرورة مؤشرا سلبيا إذا كانت الواردات تتكون من آلات ومعدات وتكنولوجيا ومدخلات إنتاج تساعد على بناء قدرة إنتاجية داخل مصر؛ فالمعيار الاقتصادي الصحيح هو ما إذا كنا نستخدم هذه الواردات لزيادة الإنتاجية والصادرات مستقبلا، المشكلة تظهر عندما تستمر العلاقة في استيراد المنتج النهائي من دون بناء قدرة محلية مقابلة.
وأكد "غنيم"، أن النجاح الحقيقي للجولة الآسيوية سيتحقق عندما تتحول الاجتماعات والاتفاقات إلى مجموعة محددة من المؤشرات: عدد المصانع الآسيوية الجديدة في مصر، حجم الاستثمار المباشر، نسبة المكون المحلي، عدد الموردين المصريين الذين يدخلون سلاسل الشركات العالمية، وحجم الصادرات التي تنتجها هذه المصانع من مصر إلى أسواق ثالثة.
واختتم الدكتور أيمن غنيم، تصريحه بالتأكيد على أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يدفع بالعلاقات الآسيوية في الاتجاه الاقتصادي الصحيح، وهو الانتقال من علاقة البائع والمشتري إلى علاقة الشريك والمنتج، مضيفا أن الجولة الحالية توفر لمصر فرصة حقيقية لتحويل جزء من فجواتها التجارية إلى استثمارات صناعية، واستخدام المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كبوابة لتوطين التكنولوجيا والإنتاج الآسيوي، وفي الوقت نفسه تطوير الصادرات المصرية من الحاصلات والمواد الأولية إلى سلع صناعية وغذائية وتكنولوجية ذات قيمة مضافة أعلى؛ وهذا هو الطريق الأكثر استدامة لتحقيق التوازن التجاري وزيادة موارد مصر من النقد الأجنبي.