لم تكن العلاقات بين القاهرة وجاكرتا مجرد تمثيل دبلوماسي عابر، بل قصة بأت قبل أن يكتمل استقلال إندونيسيا نفسها، ففى عام 1947، كانت مصر من أوائل دول العالم التي اعترفت بجمهورية إندونيسيا الوليدة، لتوقيع بعدها بأشهر أول معاهدة دولية في تاريخ جاكرتا كدولة مستقلة، وهى معاهدة الصداقة والمودة في يونيو 1947، ومنذ تلك اللحظة تشابكت خيوط التاريخ بين البلدين من باندونج إلى غزة، وصولا إلى إعلان الشراكة الإستراتيجية فى 2024.
الجذور التاريخية.. اعتراف مبكر ومعاهدة أولى
وتعود العلاقات الرسمية بين مصر وإندونيسيا إلى عام 1947، حين بادرت القاهرة بالاعتراف باستقلال جاكرتا عام 1945، وتوج هذا الاعتراف بتوقيع معاهدة الصداقة والمودة في يونيو 1947، والتي تعد أول معاهدة دولية تبرمها إندونيسيا كدولة مستقلة.
محطة باندونج 1955.. ميلاد عدم الانحياز
في أبريل 1955، شكلت مشاركة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونج بإندونيسيا نقطة تحول كبرى، ظهر عبد الناصر كأبرز ممثل للدول العربية وأحد أكثر الشخصيات شعبية فى القمة، وكان المؤتمر النواة الحقيقة لتأسيس حركة عدم الانحياز التي جمعت البلدين لاحقا.
توافق سياسي ورؤية مشتركة
تتطابق وجهات نظر القاهرة وجاكرتا تجاه العديد من القضايا الإقليمية والدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وتتبادل الدولتان تأيد الترشيحات فى المنظمات الدولية، وتجتمعان تحت مظلة عدة تكتلات منها منظمة التعاون الإسلامي، وحركة عدم الانحياز، ومجموعة ال15، ومجموعة الدول الثماني النامية D8، كما تجدد الدولتان إدانتهما لانتهاكات الإسرائيلية، وتؤكدان على ضرورة وقف إطلاق النار في غزة، وبدء إعادة الإعمار دون تهجير، وصولا إلى إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
الأزهر.. الجسر الثقافي والروحي
يمثل الأزهر الشريف ركيزة أساسية في العلاقة بين الشعبين، وتحظى مؤسسة الأزهر باحترام وتقدير كبير لدى الشعب الإندونيسي، الذي يرسل آلاف الطلاب للدراسة في جامعة الأزهر بالقاهرة، وتبرز أهمية تضافر جهود المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر، للتصدي للتطرف وتصحيح الخطاب الديني ونشر الفكر الإسلامي المعتدل والوسطي.
المحطات الرئاسية.. من انقطاع 32 عاما إلى شراكة إستراتيجية
زار الرئيس عبد الفتاح السيسي إندونيسيا عام 2015، وكانت أول زيارة لرئيس مصري إلى جاكرتا منذ عام 1983، وفي المقابل، زار الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، الذي تولى الرئاسة في أكتوبر 2024، القاهرة في ديسمبر 2024، وهي زيارته الثانية لمصر، حيث وقع مع الرئيس السيسي بقصر الاتحادية إعلان ترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
وشملت المباحثات، بحسب المتحدث الرسمي للرئاسة السفير محمد الشناوي، سبل تفعيل الشراكة في مجالات التصنيع والتجارة والاستثمار والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وأمن الغذاء والطاقة المتجددة.
التعاون الدفاعي والعسكري
تناولت المباحثات سبل تعزيز التعاون الدفاعي عبر التدريب وبناء القدرات وتبادل الخبرات، ويعود التعاون العسكري إلى مذكرات تفاهم موقعة منذ 2018 تركز على مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات البحرية، في ظل موقع إندونيسيا المطل على مضيق ملقا الحيوي وموقع مصر كمدخل لقناة السويس، وعقب المباحثات، اصطحب الرئيس السيسي ضيفه إلى الأكاديمية العسكرية ونادي الفروسية بالعاصمة الإدارية.
الاقتصاد والتجارة.. من 58 مليونا إلى 1.6 مليار دولار
شهدت العلاقات الاقتصادية تطورا ملحوظا، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري إلى 1.568 مليار دولار في 2022، ثم إلى 1.6 مليار دولار خلال أول 8 أشهر من 2026 مقابل 1.4 مليار في نفس الفترة من 2025.
وتصدر إندونيسيا إلى مصر زيت النخيل الخام والقهوة والشاي والمنسوجات والإلكترونيات، حيث تستحوذ المنتجات الزراعية والأغذية المصنعة على أكثر من 60% من صادراتها لمصر، بينما تصدر مصر المعادن والأسمنت والفواكه والملح والكبريت، وبلغت الاستثمارات الإندونيسية في مصر حتى يونيو 2022 نحو 58 مليون دولار في 28 مشروعا بالقطاعات الصناعية والخدمية والإنشائية وتكنولوجيا المعلومات.
التعاون التنموي وبناء القدرات
تولي القاهرة اهتماما بالاستفادة من الدورات التدريبية التي تقدمها إندونيسيا، خاصة في مجال المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث تمتلك جاكرتا تجربة مميزة، مع التأكيد على حرص القيادتين على زيادة الترابط بين الشعوب خاصة على مستوى الشباب.