يحتفل العالم فى 10 أكتوبر من كل عام باليوم العالمى للصحة النفسية، بهدف نشر الوعى بأهمية الصحة النفسية، وتسليط الضوء على التحديات التى يواجهها الأشخاص المصابون بالاضطرابات النفسية، إلى جانب تعزيز الجهود الرامية إلى مواجهة الوصمة والتمييز المرتبطين بهذه الحالات وتؤكد هذه المناسبة ضرورة التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها جزءا أساسيا من الصحة العامة وحقا إنسانيا أصيلا، يستلزم توفير الرعاية المناسبة والدعم اللازم للجميع.
ويشكل اليوم العالمى للصحة النفسية فرصة لتشجيع الأفراد والمؤسسات على فتح حوار مجتمعى حول الاضطرابات النفسية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة بها، فضلا عن دعم المبادرات التوعوية التى تساعد على تحسين جودة الحياة وتعزيز قدرة الأفراد على طلب المساعدة دون خوف من الأحكام المسبقة.
بداية اليوم العالمى للصحة النفسية
تعود بداية الاحتفال باليوم العالمى للصحة النفسية إلى عام 1992، عندما أطلق الاتحاد العالمى للصحة النفسية هذه المبادرة بقيادة نائب الأمين العام آنذاك ريتشارد هنتر، بهدف تعزيز الاهتمام بقضايا الصحة النفسية على المستوى الدولى. وجاءت المبادرة فى وقت كانت فيه العديد من المجتمعات تواجه صعوبات فى توفير الرعاية المناسبة، إلى جانب انتشار المفاهيم المغلوطة والممارسات التى تزيد من معاناة الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية.
وواجهت دول مختلفة تحديات متعددة فى هذا المجال، من بينها صعوبات الحصول على التمويل اللازم للعلاج فى فرنسا، ومشكلات المعاملة غير الإنسانية فى نيوزيلندا، وهو ما كشف عن الحاجة إلى تحرك دولى منظم لتطوير خدمات الرعاية النفسية، وتحسين أوضاع المرضى، وتعزيز الوعى المجتمعى بطبيعة الاضطرابات النفسية وطرق التعامل معها.
انتشار المبادرة وتعزيز الوعى العالمى
شهدت السنوات الأولى من إطلاق المبادرة جهودا إعلامية وتوعوية ساعدت على وصول رسالتها إلى جمهور واسع، إذ بُث برنامج تلفزيونى استمر ساعتين عبر الأقمار الصناعية، بمشاركة ممثلين من دول عدة، من بينها تشيلى وإنجلترا وأستراليا وزامبيا، إلى جانب تسجيلات أُعدت فى جنيف وأتلانتا ومكسيكو سيتى.
وفى عام 1994، احتُفل باليوم العالمى للصحة النفسية تحت شعار «تحسين جودة خدمات الصحة النفسية فى جميع أنحاء العالم»، وشهدت الحملة مشاركة 27 دولة قدمت تقارير تقييمية حول أنشطتها، كما نُظمت فعاليات وحملات وطنية فى أستراليا وإنجلترا، ما ساهم فى توسيع نطاق المبادرة وزيادة اهتمام الحكومات والمنظمات والأفراد بها.
تطور موضوعات الصحة النفسية عالميا
منذ عام 1995، توسعت الجهود الدولية لنشر مواد التوعية بالصحة النفسية وترجمتها إلى لغات متعددة، من بينها الإسبانية والفرنسية والروسية والهندية واليابانية والصينية والعربية، بالتعاون مع منظمة الصحة للبلدان الأمريكية، بما ساعد على وصول الرسائل التوعوية إلى شرائح أوسع من المجتمعات.
ومع مرور الوقت، لم يعد الاحتفال مقتصرا على التعريف بالاضطرابات النفسية، بل امتد ليشمل قضايا المرأة والطفل، والصحة النفسية فى بيئة العمل، والصدمات النفسية، والانتحار، وحقوق الإنسان. وأسهم هذا التطور فى ترسيخ أهمية الدعم النفسى والاجتماعى، والتأكيد على ضرورة توفير خدمات علاجية مناسبة، وتشجيع الأشخاص على طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.
كليفورد بيرز.. رائد إصلاح الرعاية النفسية
يبرز اسم كليفورد ويتينغهام بيرز (1876-1943) باعتباره أحد رواد حركة إصلاح الرعاية النفسية فى الولايات المتحدة الأمريكية، إذ أسس اللجنة الوطنية للصحة النفسية، التى أصبحت لاحقا جزءا من تطور مؤسسات الصحة النفسية الأمريكية. وجاء اهتمامه بهذا المجال نتيجة تجربته الشخصية مع المرض النفسى وإقامته فى مصحات نفسية، حيث عايش ظروفا صعبة وممارسات غير إنسانية دفعتاه إلى المطالبة بتحسين أساليب العلاج والرعاية.
وفى عام 1908، نشر بيرز كتابه «عقل وجد ذاته»، الذى تناول فيه تجربته وكشف عن أوجه القصور فى معاملة المرضى داخل المؤسسات النفسية. وأسهم الكتاب فى دعم حركة إصلاح الرعاية النفسية، والدعوة إلى توفير علاج أكثر إنسانية، والاهتمام بالوقاية، وتحسين الخدمات المقدمة للأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية.
الصحة النفسية حق للجميع
يمثل اليوم العالمى للصحة النفسية مناسبة متجددة للتأكيد على أن الاهتمام بالصحة النفسية لا يقل أهمية عن رعاية الصحة الجسدية، وأن مواجهة الوصمة تبدأ بنشر المعرفة الصحيحة، والاستماع إلى تجارب الآخرين، وتوفير بيئة آمنة تشجع على طلب الدعم والعلاج.
كما تبرز المناسبة أهمية تكاتف الحكومات والمؤسسات الصحية والتعليمية ومنظمات المجتمع المدنى فى تطوير خدمات الصحة النفسية، وتيسير الوصول إليها، وحماية حقوق الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية، بما يسهم فى بناء مجتمعات أكثر وعيا وتفهما وقدرة على تقديم الدعم.