لم يمت الطاعون، هذه هي الحقيقة التي يحاول العالم تجاهلها، فالمرض الذي حصد أرواح 50 مليون إنسان في القرن الرابع عشر، وقتل ثلث سكان أوروبا، لا يزال يعيش بيننا، وينتقل من الفئران إلى البراغيث، ومن البراغيث إلى الإنسان.
وما أعاد هذه الحقيقة إلى صدارة النشاطات العالمية لم يكن كتاب تاريخ، بل خبر صادم من سيبيريا، وهو وفاة باحثة روسية تبلغ من العمر 28 عاما داخل معهد إيركوتسك المتخصص في دراسة الطاعون، وسط شكوك بإصابتها بالطاعون الرئوي، الأخطر على الإطلاق.
من أين يأتي الطاعون؟
وكشف الأطباء أن الطاعون ليس مجرد فيروسا، بل مرض بكتيري تسببه بكتيريا تسمى "يرسينيا الطاعونية Y. pestis"، وتعيش هذه البكتيريا في أجساد الفئران والقوارض والثدييات الصغيرة، وتنقلها البراغيث، ويمكن أن يصاب الإنسان بالمرض بأربع طرق وهى لدغة برغوث مصاب، لمس سوائل حيوان مصاب، أكل لحوم نيئة لحيوان مصاب، أو وهو الأخطر، استنشاق رذاذ شخص مصاب بالطاعون الرئوي.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن العالم يسجل ما بين 1000 إلى 2000 إصابة سنويا، معظمها في مدغشقر والكونغو الديمقراطية، بينما تسجل الولايات المتحدة بضع حالات فقط في المناطق الريفية الغربية.
3 أوجه للموت.. أنواع الطاعون
ويحدد الأطباء نوع الإصابة حسب مكان دخول البكتيريا إلى الجسم، وهي ثلاثة أنواع رئيسية بالإضافة إلى نوع رابع نادر:
الطاعون الدبلي: الأكثر شيوعا
ينتقل عبر لدغة برغوث إلى الغدد الليمفاوية، فيسبب تورما كبيرا ومؤلما فيها، وهو أكثر الأنواع قابلية للشفاء إذا عولج سريعا.
الطاعون الإنتاني: قاتل الدم
ويحدث عندما تصل البكتيريا إلى مجرى الدم، سواء من لدغة مباشرة أو من انتقالها من الغدد، يدمر الأنسجة ويسبب فشلا في الأعضاء ونزيفا تحت الجلد.
الطاعون الرئوي: الأخطر على الإطلاق
يصيب الرئتين مباشرة، وينتقل من شخص لآخر عبر السعال والعطس، يسبب التهابا رئويا حادا وضيق تنفس وبلغما دمويا، وهو قاتل في أغلب الحالات إذا لم يعالج خلال 24 ساعة، وكان آخر انتقال موثق له في أمريكا عام 1924 في لوس أنجلوس.
الطاعون البلعومي: النوع النادر
هذا النوع يصيب الحلق بعد تناول لحوم حيوانات مصابة.
كيف تعرف أنك مصاب؟
تتشابه الأعراض العامة لكل هذه الأنواع: حمى شديدة، قشعريرة، صداع وآلام في الجسم، ضعف وإرهاق، دوخة، وغثيان وقيء وإسهال، لكن لكل نوع علامة مميزة منها: تورم الغدد في الدبلي، ألم البطن والنزيف في الإنتاني، ضيق التنفس وألم الصدر والسعال الدموي في الرئوي، والتهاب الحلق في البلعومي، حيث يؤكد الأطباء أن أي تأخر في العلاج قد يؤدي إلى مضاعفات قاتلة مثل التهاب السحايا، وموت الأنسجة والغرغرينا وبتر الأطراف، وفشل الجهاز التنفسي.
التشخيص والعلاج.. 24 ساعة تحدد المصير
يشخص الأطباء الطاعون بأخذ عينة من الدم أو مخاط الرئة أو سائل من الغدة الليمفاوية، وإرسالها للمختبر للبحث عن بكتيريا يرسيني، اويعالج المرض بالمضادات الحيوية القوية مثل سيبروفلوكساسين وجنتاميسين وستربتومايسين، لمدة 10 إلى 14 يوما، عن طريق الوريد أو الأقراص، حيث يحتاج المريض أحيانا إلى أكسجين وسوائل.
بناء على ذلك يشدد الأطباء على قاعدة ذهبيةوهى: كلما بدأ العلاج خلال أول 24 ساعة من ظهور الأعراض، زادت فرص النجاة بشكل كبير، ويستمر التعافي من أسبوع إلى أسبوعين.
هل يمكن الوقاية؟
ولا توصي منظمة الصحة العالمية بلقاح عام ضد الطاعون، إلا للعاملين في المختبرات الخطيرة، ولكن تعتمد الوقاية على تجنب لدغات البراغيث: إزالة أكوام الخشب والقمامة التي تأوي القوارض، وعدم ترك طعام الحيوانات الأليفة مكشوفا، واستخدام طارد حشرات يحتوي على مادة DEET، وارتداء قفازات عند التعامل مع حيوانات ميتة، ومنع الحيوانات الأليفة من التجول في مناطق موبوءة.
ما قصة الباحثة الروسية؟
عادت قضية الطاعون لتتصدر الأخبار بعد إعلان وفاة الباحثة الشابة في معهد مكافحة الطاعون بسيبيريا، والتي شخصت حالتها في البداية كالتهاب رئوي مجهول المصدر، حيث وضعت السلطات عشرات الأشخاص في العزل.
وقللت هيئة "روس بوتريب نادزور" الروسية من وجود صلة مباشرة بين عملها ووفاتها، لكن منظمة الصحة العالمية أعلنت أنها على اتصال بالسلطات الروسية للتحقق، كما أكدت الخارجية الأمريكية ومراكز السيطرة على الأمراض أنها تتابع الوضع عن كثب.
وفي هذا السياق، يطمئن الخبراء بأن خطر انتشار عالمي لا يزال منخفضا، لأن المصاب بالطاعون الرئوي تظهر عليه الأعراض بسرعة، مما يحد من قدرته على السفر ونقل العدوى لمسافات بعيدة.