لم تكن العلاقة بين القاهرة وسول وليدة التسعينيات كما يظن البعض، بل هي علاقة ضاربة بجذورها في عمق التاريخ الحديث، فمصر التي اعترفت باستقلال كوريا عام 1948، هي نفسها الأرض التي شهدت ميلاد الحلم الكوري في الحرية، عندما صدر إعلان القاهرة عام 1943 الذي نص صراحة على أن "كوريا يجب أن تصبح حرة ومستقلة"، وثيقة لا يزال الكوريون يدرسونها في مدارسهم حتى اليوم كأول اعتراف دولي بحقهم في الوجود.
من القنصلية إلى السفارة.. ثلاثون عاما من الترقب
ورغم هذا التاريخ الطويل، ظلت العلاقات تسير بوتيرة هادئة، ففي عام 1962 قررت سول افتتاح قنصلية لها في القاهرة، وانتظرت القاهرة حتى عام 1991 لتفتتح قنصليتها في سول، قبل أن يتم رفع التمثيل إلى مستوى السفارات بشكل رسمي في عام 1995.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت العلاقات تأخذ مسارا تصاعديا، لكن المحطة الفارقة والحقيقية كانت في عام 2016، عندما زار الرئيس عبد الفتاح السيسي كوريا الجنوبية، تلك الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل وضعت حجر الأساس لما يعرف اليوم بـ "الشراكة التعاونية الشاملة" بين البلدين.
نظرة سول الاستراتيجية للقاهرة
ما الذي يجعل كوريا رابع أكبر اقتصاد في آسيا، تهتم بهذا الشكل بمصر؟ الإجابة تكمن في نظرة سول الاستراتيجية للقاهرة
فالمسؤولون الكوريون لا يتعاملون مع مصر كسوق محلي يضم 110 ملايين مستهلك فقط، بل كمركز انطلاق عملاق، فبفضل موقعها الجغرافي واتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بأفريقيا والعالم العربي وأوروبا، أصبحت مصر بالنسبة للشركات الكورية هي "البوابة الذهبية" للتصدير إلى المنطقة.
وهو ما ترجم على أرض الواقع بوجود أكثر من 30 شركة كورية عملاقة تعمل اليوم في مصر، من سامسونج وإل جي في الإلكترونيات، إلى هيونداي وروتم في النقل والطاقة.
الاقتصاد هو كلمة السر
ويأتي الاقتصاد والاستثمار في صدارة هذه الشراكة، فبينما تبحث القاهرة عن توطين الصناعات الثقيلة، تمتلك سول مفاتيح هذه الصناعات، فكوريا الجنوبية هي الدولة الأولى عالميا في صناعة السفن وأشباه الموصلات، وثالث أكبر مصنع للسيارات الكهربائية، حيث تقدم مصر ما تبحث عنه الشركات الكورية من سوق واسع، وعمالة شابة مدربة، وحوافز غير مسبوقة كالرخصة الذهبية والإعفاءات الضريبية، ولترسيخ هذا التكامل، يناقش البلدان حاليا توقيع اتفاقية جديدة للشراكة الاقتصادية، من شأنها مضاعفة حجم التبادل التجاري وجذب المزيد من الاستثمارات الكورية.
344 مليون دولار.. وجامعة في بني سويف
ولا يمكن اختزال العلاقة في الأرقام التجارية فقط، فالتعاون التنموي يمثل وجها آخر لهذه الشراكة، فقد قدمت كوريا لمصر العديد من المساعدات الإنمائية الرسمية التي بلغت نحو 344 مليون دولار حتى الآن، وبعد اختيار مصر كشريك ذي أولوية للتعاون التنموي عام 2021، اتسع نطاق المشروعات ليشمل النقل والبيئة والطاقة، ويبرز برنامج "مشاركة المعرفة" الذي انطلق عام 2013 كأحد أهم أدوات نقل التجربة الكورية في الإدارة والضرائب والجمارك الرقمية.
أما النموذج الأكثر نجاحا فيبقى الجامعة التكنولوجية المصرية الكورية في بني سويف، هذا الصرح الذي أصبح مثالا للتعليم الفني المتطور، حيث تستعد الوكالة الكورية "كويكا" لضخ 8 ملايين دولار إضافية لتطويره، مع إضافة قسم جديد للسكك الحديدية بالتعاون مع الشركات الكورية، بالإضافة إلى مشروع آخر بقيمة 15 مليون دولار لرقمنة 54 مدرسة إعدادية في المحافظات.
عندما يلتقي الشباب على إيقاع الكيبوب
بعيدا عن السياسة والاقتصاد، هناك جسر آخر يبنى الآن بين الشعبين، جسر من الموسيقى والدراما، فالثقافة الكورية أو ما يعرف بـ "الهاليو" اجتاحت عقول الشباب المصري، وارتفع الإقبال على تعلم اللغة الكورية في القاهرة إلى مستويات غير مسبوقة، بفضل فرق الكيبوب والمسلسلات الكورية.
وهو ما أكده الرئيس الكوري لي جاي ميونج، خلال محاضرته المهمة في جامعة القاهرة في نوفمبر الماضي، عندما قال إن العلاقة بين البلدين لم تعد علاقة حكومات، بل علاقة شعوب، وهكذا، انتقلت العلاقات المصرية الكورية من مجرد سطر في إعلان القاهرة عام 1943، إلى شراكة استراتيجية شاملة تمتد من مصنع في بني سويف إلى أغنية كورية يحفظها شاب في العجوزة.