لم تكن معركة أكتوبر مجرد ساعات من القتال عبر قناة السويس، ولا مجرد مواجهة بين الدبابات والطائرات والمدفعية، خلف المشهد العسكري كانت هناك معركة أخرى لا يسمعها أحد ولا يراها أحد؛ معركة تدور عبر أجهزة اللاسلكي، حيث يمكن لكلمة واحدة أن تكشف تحرك كتيبة، أو تغيّر مسار هجوم، أو تمنح العدو معلومة تساوي آلاف الجنود.
وفي قلب هذه المعركة الصامتة ظهرت حكاية تبدو للوهلة الأولى بعيدة تمامًا عن ساحات القتال.
لغة نوبية قديمة تتحول إلى وسيلة للاتصال العسكري.
تلك هي قصة الصول أحمد محمد أحمد إدريس، ابن النوبة الذي ارتبط اسمه بما عُرف لاحقًا بـ«الشفرة النوبية» في حرب أكتوبر 1973. وتروي المصادر الصحفية، نقلاً عن إدريس نفسه، أنه اقترح استخدام اللغة النوبية للتغلب على مشكلة الاتصالات والشفرات، بعدما كانت القوات المصرية تبحث عن وسيلة تحول دون فهم العدو مضمون الرسائل العسكرية.
الشفرة النوبية.. عندما أصبحت الاتصالات جبهة أخرى للحرب
قبل السادس من أكتوبر، لم تكن المعركة المنتظرة تدور فقط على ضفتي القناة.
كانت هناك حرب معلومات كاملة.
الاتصالات العسكرية كانت واحدة من أكثر النقاط حساسية؛ فالأوامر يجب أن تصل في موعدها، لكن من دون أن يعرف الطرف الآخر ماذا تعني.
وفي هذا المناخ، ظهرت فكرة غير تقليدية: لماذا لا تُستخدم لغة لا يعرفها معظم من يمكن أن يعترض الاتصال؟
بحسب رواية أحمد إدريس، جاءت الفكرة منه خلال خدمته العسكرية، بعدما سمع نقاشًا حول مشكلة فك الشفرات. وكان اقتراحه بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل قيمة كبيرة في ظروف الحرب: استخدام اللغة النوبية في نقل الأوامر.
لم تكن الفكرة مجرد استبدال العربية بالنوبية، بل تحويل الكلمات النوبية إلى دلالات عسكرية متفق عليها مسبقًا.
وبذلك يصبح ما يسمعه المتنصت كلمات تبدو بلا معنى عسكري مباشر، بينما يعرف الطرف الآخر أن وراء كل كلمة أمرًا محددًا.
من «لغة الأجداد» إلى قاموس عسكري
بحسب شهادات إدريس المنشورة، لم تتوقف الفكرة عند استخدام اللغة النوبية بصورة عامة، وإنما جرى إطلاق أسماء نوبية على عدد من المعدات والرتب والمواقع، بحيث يصبح لكل كلمة معنى عسكري يعرفه أفراد محددون.
وتحدث إدريس في إحدى مقابلاته عن استخدام كلمات نوبية للإشارة إلى الطائرات والعربات والدبابات وبعض الرتب والمحطات والمخابرات.
وهكذا أصبح جهاز اللاسلكي أشبه بمسرح صغير للغة لا يفهمها سوى من يعرف مفاتيحها.
كلمة عادية في ظاهرها، قد تعني دبابة.
وأخرى قد تشير إلى طائرة.
وثالثة قد تحمل أمرًا بالتحرك أو بدء الهجوم.
والفكرة الأساسية لم تكن في غرابة الكلمات، وإنما في أن معناها العسكري لم يكن معروفًا لمن يستمع إليها من خارج الدائرة التي جرى تدريبها عليها.

أحمد إدريس.. الجندي الذي حمل الفكرة
وُلد أحمد محمد أحمد إدريس في قرية توماس وعافية النوبية بمحافظة أسوان، والتحق بالقوات المسلحة متطوعًا في خمسينيات القرن الماضي، وخدم في قوات حرس الحدود.
ومع مرور السنوات اكتسب خبرة عسكرية ومعرفة بطبيعة العمل في سيناء، وهي خبرة قال لاحقًا إنها ساعدته في فهم طبيعة التحديات التي تواجه القوات المصرية.
لكن أكثر ما ميزه في تلك اللحظة كان امتلاكه عنصرًا لا تستطيع أجهزة التنصت الوصول إليه بسهولة: اللغة التي نشأ عليها.
وبحسب روايته، وصلت الفكرة إلى الرئيس الراحل أنور السادات، الذي كان يبحث عن وسائل للتغلب على أزمة الاتصالات والشفرات.
وتقول شهادات إدريس المنشورة إنه طُلب منه الحفاظ على سرية الفكرة، وأن الأمر لم يكن معروفًا إلا لدائرة محدودة للغاية من المشاركين فيها.
مئات النوبيين في مهمة واحدة
في رواية أخرى نقلها إدريس، جرى الاستعانة بعدد من أبناء النوبة الذين يجيدون اللغة، للمشاركة في منظومة الاتصالات العسكرية.
وفي حديث صحفي عام 2017، ذكر إدريس أن 344 نوبيًا شاركوا في استخدام الشفرة، وتحدث عن أسماء نوبية أطلقت على المعدات والرتب والمحطات.
لكن أهمية الرقم ليست في حجمه بقدر ما تكشفه الرواية عن طبيعة العملية: لم تكن المسألة جنديًا واحدًا يتحدث بلغته أمام جهاز لاسلكي، بل نظامًا يحتاج إلى أشخاص يعرفون اللغة ويفهمون الدلالات المتفق عليها.
وهنا تحولت اللغة من وسيلة للتواصل الاجتماعي إلى أداة داخل منظومة عسكرية شديدة الحساسية.
السر الذي بقي مغلقًا لعقود
ربما كان أهم ما يميز قصة الشفرة النوبية أن تفاصيلها لم تنتشر وقت الحرب.
فالحروب لا تُقاس فقط بما يقال على الجبهة، وإنما أيضًا بما يبقى خارجها.
وبحسب رواية إدريس، ظل محتفظًا بسر الفكرة لعقود، ولم يعرف الجمهور دوره بصورة واسعة إلا بعد سنوات طويلة من انتهاء الحرب. وقد تحدث لاحقًا في لقاءات تلفزيونية وصحفية عن تفاصيل الفكرة ومقابلته مع السادات.
وفي عام 2017، كشف إدريس في حوار صحفي عن عدد من الكلمات التي قال إنها استخدمت داخل منظومة الشفرة، موضحًا أن الاتفاق كان يقوم على منح الكلمات النوبية دلالات عسكرية لا يعرفها سوى المستخدمين لها.
وهنا تبدو المفارقة اللافتة:
اللغة التي كانت تُقال في البيوت والقرى النوبية أصبحت تُسمع عبر أجهزة اللاسلكي في واحدة من أخطر اللحظات العسكرية في تاريخ مصر.
هل كانت «شفرة» بالمعنى التقني؟
ربما تحتاج القصة هنا إلى قدر من الدقة.
فالتعبير الشائع «الشفرة النوبية» لا يعني بالضرورة شفرة رياضية أو نظام تشفير تقني بالمعنى المعروف اليوم.
الأدق أن نتحدث عن استخدام لغة محلية مع قاموس عسكري متفق عليه، بحيث تحمل الكلمات معاني خاصة داخل شبكة الاتصالات.
وهذا ما يجعل القصة أكثر إثارة، لأنها تكشف أن الحماية قد تأتي أحيانًا من شيء بسيط جدًا: لغة لا يعرفها الطرف الآخر، إذا اقترنت بالسرية والانضباط وعدم كشف المفاتيح.
ما وراء القصة
قصة الشفرة النوبية لا تتعلق فقط بأحمد إدريس، ولا حتى بأجهزة اللاسلكي.
إنها تحكي عن فكرة أوسع: كيف يمكن لموروث ثقافي محلي أن يتحول، في لحظة تاريخية، إلى عنصر من عناصر العمل الوطني.
فأبناء النوبة الذين حملوا لغتهم وتراثهم من وادي النيل إلى صفوف القوات المسلحة لم يدخلوا الحرب بثقافتهم بوصفها مجرد ذكرى، بل تحولت، وفق الرواية المرتبطة بإدريس، إلى جزء من وسيلة الاتصال العسكرية.
ومن هنا أصبحت الحكاية تحمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز التفاصيل العسكرية.
فالكلمة التي حفظتها الأجيال داخل البيوت، أصبحت في لحظة ما كلمة لا يعرف العدو ماذا تعني.
من الجبهة إلى الذاكرة
رحل أحمد إدريس في سبتمبر 2021 عن عمر ناهز 84 عامًا، بعد أن أصبح اسمه مرتبطًا في الذاكرة المصرية بقصة الشفرة النوبية.
وبقيت حكايته حاضرة في كل ذكرى لحرب أكتوبر، باعتبارها واحدة من القصص التي تكشف وجوهًا غير معروفة من المعركة.
فالحرب التي يتذكرها الناس من خلال صور العبور واقتحام خط بارليف والجنود على الضفة الشرقية للقناة، كانت خلفها تفاصيل أخرى أكثر هدوءًا وأشد سرية.
كانت هناك خرائط وخطط وتمويه وخداع واتصالات.
وكانت هناك أيضًا لغة.
لغة حملها أبناء النوبة عبر أجيال، ثم وجدت لنفسها مكانًا داخل واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ مصر الحديث.
حين دخلت لغة الأجداد إلى التاريخ العسكري
قد تختلف الروايات حول بعض تفاصيل الشفرة النوبية وكيفية استخدامها وعدد المشاركين فيها، لكن قصة أحمد إدريس بقيت حاضرة في المصادر الصحفية وشهاداته التلفزيونية بوصفها واحدة من الحكايات المرتبطة بحرب أكتوبر.
وفي النهاية، ربما لا تكمن قوة القصة في معرفة كل كلمة استخدمت داخل أجهزة اللاسلكي، بقدر ما تكمن في المفارقة التي صنعتها:
لغة وُلدت على ضفاف النيل، وحفظتها الذاكرة النوبية، دخلت في لحظة فارقة إلى عالم الحرب، وأصبحت جزءًا من حكاية السرية التي سبقت العبور.
وهكذا لم تكن «الشفرة النوبية» مجرد كلمات قيلت عبر أجهزة الاتصال، بل أصبحت رمزًا لقصة أوسع عن الإنسان المصري، وعن قدرة المعرفة والثقافة والخبرة على أن تجد لنفسها مكانًا حتى في أكثر ميادين التاريخ قسوة.
في السادس من أكتوبر، لم تعبر القوات المصرية القناة وحدها؛ عبرت معها أيضًا حكايات جنود حمل كل منهم إلى الجبهة شيئًا من وطنه... وكان أحمد إدريس يحمل لغة أجداده.