أثارت حوادث ظهور ثعابين الكوبرا في عدد من المحافظات المصرية، من بينها الشرقية والغربية وشمال سيناء، بل وامتدادها إلى بعض المناطق غير الريفية، بما في ذلك بعض التجمعات السكنية الراقية كاالتجمعات، حالة من القلق بين المواطنين، في ظل تزايد البلاغات عن رصد الثعابين في أماكن لم يكن ظهورها فيها مألوفًا.
وجاءت هذه المخاوف بعدما شهد مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، خلال أيام قليلة، وفاة ثلاثة أشخاص، بينهم طفلة وطفل وسيدة، إثر تعرضهم للدغات ثعابين في الأراضي الزراعية والمناطق المحيطة بها، وهو ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول أسباب تزايد انتشار الكوبرا المصرية خلال الفترة الأخيرة.
ودفعت هذه الحوادث الجهات التنفيذية إلى تكثيف حملات إزالة أوكار الثعابين، والتخلص من أكوام القش والتبن والمخلفات الزراعية، إلى جانب رفع درجة الاستعداد داخل المستشفيات، وتوفير الأمصال اللازمة للتعامل مع حالات اللدغ، في إطار جهود الحد من تكرار مثل هذه الحوادث وحماية المواطنين.
أسباب انتشار الكوبرا المصرية في الفترة الأخيرة
كشف الدكتور يوسف العبد، رئيس لجنة الأدوية البيطرية بالاتحاد العام للغرف التجارية وعضو مجلس النقابة العامة للأطباء البيطريين، أن تزايد ظهور الكوبرا المصرية والثعابين السامة في عدد من المحافظات خلال الفترة الأخيرة يرجع إلى مجموعة من العوامل البيئية والطبيعية، مؤكدًا أن ما يحدث يعد مؤشرًا على خلل واضح في التوازن البيئي يستوجب التدخل السريع.
وقال العبد، في تصريحات خاصة لموقع "صوت"، إن السبب الرئيسي لانتشار الكوبرا يتمثل في حدوث خلل بالتوازن البيئي داخل مصر، نتيجة تغير طبيعة بعض البيئات واختفاء أخرى، فضلًا عن تراجع أعداد بعض الحيوانات التي كانت تمثل العدو الطبيعي للثعابين السامة.
وأوضح أن بعض أنواع الثعابين السامة التي كانت تقتصر على صحراء سيناء والصحراء الشرقية والغربية بدأت تمتد تدريجيًا إلى محافظات الدلتا ووادي النيل، وهو ما يمثل تطورًا طبيعيًا فرضته التغيرات البيئية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
زيادة الكلاب الضالة وتراجع أعداد القطط
وأشار إلى أن الزيادة الكبيرة في أعداد الكلاب الضالة أسهمت بشكل غير مباشر في انخفاض أعداد القطط، التي تُعد من الحيوانات القادرة على مهاجمة الثعابين والقضاء عليها، مضيفًا أن اختفاء القطط من العديد من المناطق أدى إلى زيادة أعداد الكوبرا، موضحًا أن القط المصري لعب منذ آلاف السنين دورًا مهمًا في الحفاظ على التوازن البيئي، وهو ما تؤكده الرسوم الموجودة على الآثار والمقابر الفرعونية.
وأكد أن الكلاب الضالة، على عكس القطط، تخاف بطبيعتها من الثعابين ولا تهاجمها، وبالتالي لا تؤدي الدور نفسه في الحد من انتشارها.
اختفاء النمس.. العدو الطبيعي للكوبرا
وأوضح العبد أن النمس يُعد أحد أهم الأعداء الطبيعيين للكوبرا المصرية، حتى أطلق عليه البعض لقب "عزرائيل الكوبرا المصرية"، لما يمتلكه من قدرة كبيرة على مطاردتها والقضاء عليها.
وأشار إلى أن النمس يتمتع بمناعة طبيعية ضد سم الكوبرا، كما يمتلك سرعة كبيرة في الحركة ورد الفعل، فضلًا عن قدرته على تتبع أماكن وجودها والانقضاض عليها.
وأضاف أن أعمال تبطين الترع خلال السنوات الماضية أدت إلى اختفاء كثير من البيئات الطبيعية التي كانت تعيش فيها الكوبرا والنمس، وهو ما دفعهما إلى مغادرة موائلهما الطبيعية والاتجاه نحو الأراضي الزراعية ثم المناطق السكنية، لتزداد بذلك فرص الاحتكاك المباشر بالإنسان.

ارتفاع درجات الحرارة يدفع الكوبرا إلى المناطق السكنية
وأكد أن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة خلال فصل الصيف يمثل عاملًا رئيسيًا في زيادة ظهور الكوبرا، إذ تضطر إلى مغادرة جحورها بحثًا عن أماكن أكثر برودة ومصادر للمياه والغذاء، موضحًا أن الكوبرا كانت تعتمد سابقًا على البيئات الطبيعية الموجودة حول الترع والمصارف، إلا أن اختفاء تلك البيئات وتراجع مصادر الغذاء دفعها إلى التوجه نحو التجمعات السكنية.
وأضاف أن وجود النمس والقطط كان يشكل خط الدفاع الأول ضد انتشار الكوبرا، إلا أن اختفاء الأول وتراجع أعداد الثانية، مقابل زيادة الكلاب الضالة التي لا تواجه الثعابين، ساهم في تفاقم الظاهرة.
ظاهرة بيئية تستوجب التدخل
وحذر رئيس لجنة الأدوية البيطرية من أن مصر تواجه ظاهرة بيولوجية تستحق الدراسة والتعامل معها بجدية، مؤكدًا ضرورة إعادة التوازن البيئي والحفاظ على التنوع الحيوي.
وأشار إلى أن استمرار إطعام الكلاب الضالة داخل الشوارع يؤدي إلى زيادة أعدادها، وهو ما ينعكس بصورة غير مباشرة على انتشار الكوبرا والثعابين السامة، نتيجة اختلال التوازن بين الكائنات داخل البيئة.
تحركات الدولة لمواجهة الظاهرة
وأوضح العبد أن الجهات المعنية بدأت بالفعل التعامل مع الملف بجدية، من خلال حملات لتجميع الكلاب الضالة من المدن والتجمعات السكنية ونقلها إلى أماكن مخصصة، بما يسهم في استعادة التوازن البيئي داخل المناطق المأهولة، كما أكد أن المستشفيات على مستوى الجمهورية رفعت درجة الاستعداد، مع توفير الأمصال اللازمة للتعامل مع حالات لدغات الثعابين السامة، لضمان سرعة إسعاف المصابين وتقديم الرعاية الطبية اللازمة.
رد على الآراء المتداولة
وردًا على الآراء التي ترى أن الكلاب الضالة تحافظ على التوازن البيئي، قال العبد إن هذا الطرح غير دقيق، موضحًا أن الكلاب لا تهاجم الكوبرا بطبيعتها، بينما يمثل كل من القطط والنمس خط الدفاع الطبيعي في مواجهة الثعابين السامة.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب خطة متكاملة لإعادة التوازن البيئي، والحفاظ على التنوع الحيوي، ومعالجة الأسباب التي أدت إلى زيادة ظهور الكوبرا داخل المناطق السكنية، بما يحد من المخاطر التي تهدد المواطنين.